«اختراع التقاليد» .. بديل حداثي لصناعة الانتماء

«اختراع التقاليد» .. بديل حداثي لصناعة الانتماء

قد يكتنف عبارة "اختراع التقاليد" غموض والتباس، وقد يرى فيها بعض القراء تناقضا صارخا لعُسر الربط بين كلمتي "الاختراع" و"التقليد"، لكن ذلك لم يُثن مؤرخا كبيرا قدرا وسنا من حجم إريك هوبزباوم "Eric Hobsbawm" (1917-2012) من عنونة كتاب مشترك التأليف مع زميل له في حرفتي التأريخ والتدريس هو تيرنس رينجر Terence Ranger بهذا العنوان The Invention of tradition؛ وهو الكتاب الذي حظي بالترجمة إلى اللغة العربية في ثلاثة إصدارات لمترجمين مختلفين: أولها عن مركز البحوث والدراسات الاجتماعية "القاهرة 2004"، والثاني عن وزارة الثقافية السورية "دمشق 2011"، وآخرها عن دار الكتب الوطنية هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة "أبو ظبي 2013".
يطرح الكتاب نظرية حول التقاليد قوامها التمييز في هذه الأخيرة بين تلك التي لها جذور ضاربة في الماضي الغابر للجماعات، وبين تلك التي تعود نشأتها إلى زمن قريب لأسباب وظروف عارضة تماماً أو مصنوعة صنعاً ثم يتولاها أشخاص أو مؤسسات بالرعاية، فتؤسس بذلك الأساطير والأفكار المسبقة أو أوهاما إيديولوجية أو مصالح مادية وسياسية. وهكذا يصير الأمر كله تقليدا تتبناه الجماعة وتعيشه ليصبح عنصراً جوهريا في هويتها، وشخصيتها المدركة التي تعي نفسها من خلالها، بصرف النظر عن كل ما في هذا التقليد من اصطناع واختراع.
يدافع هوبزباوم عن أطروحة تفيد بأن كثيرا من تقاليد الأمم المعاصرة هو في الواقع اختراعات حديثة، بدأت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وامتدت إلى فترة الحرب العالمية الأولى. ويضيف المؤرخ أن الأمم الحديثة احتاجت على نطاق واسع إلى صنع تقاليد، أي إلى أنظمة وطقوس وشعائر عامة، ويبدو أن الأمر وثيق الصلة بانفصال هذه الأمم عن تواريخها القديمة، وبموجات "الحداثة" المتلاحقة.
يعرف هذا المؤرخ التقليد المخترع تعريفا إشكاليا - يجعل شقا كبيرا من الطقوس الغربية التي نراها في الحياة اليومية هناك في مهب الريح- بقوله "جملة من الممارسات التي تكون عادة محكومة بقواعد مقبولة على نحو معلن أو مضمر، وتكون ذات طبيعة رمزية أو شعائرية تسعى إلى غرس قيم محددة وأنماط من السلوك عن طريق التكرار".
في جزئية مهمة تنم عن حرفية مؤرخ له من الأدوات ما يؤهله للنبش في مكنونات التاريخ وخباياه، يربط المؤلف بين اختراع التقاليد ومراحل التغير الاجتماعي السريع حين يؤكد أنه علينا "توقع حدوث هذا الاختراع على نحو أكثر تكرارا عندما يضعف التحول السريع في المجتمع أو يخرب الأنماط الاجتماعية التي صممت التقاليد القديمة من أجلها". لكن في المقابل يرى أنه "عندما تكون الأساليب القديمة حية، فلا تكون التقاليد في حاجة إلى إحياء أو اختراع".
غير أن المثير حقا هو ذاك الاستنتاج الذي يخلص إليه الكاتب عند نهاية الفصل الافتتاحي للكتاب، حين يؤكد أن هذه التقاليد الجديدة المخترعة - على الرغم من كثرتها -، فإنها لم تشغل إلا قسما صغيرا من الفراغ الذي خلفه الانحطاط العلماني لكل من التقاليد القديمة والعادات والأعراف. وهو ما قد يكون أمرا متوقعا حقا في مجتمعات يتزايد فيها تحول الماضي إلى عنصر قليل الأهمية بوصفه نموذجا أو سابقة لمعظم أشكال السلوك الإنساني.
نشير إلى أن هذا الكتاب الذي تولى تحريره كل من هوبزباوم ورينجر مؤلف جماعي يتضمن سبع أوراق بحثية عن التقاليد في مناطق مختلفة من العالم، جاءت في شكل فصول هي تباعا: "مقدمة عن ابتداع التقاليد" (إريك هوبزباوم)، "اختراع تقاليد سكان مرتفعات اسكتلندا" (هيو تريفور روبير)، "في إحياء الماضي: التنقيب عن ماضي ويلز في العصر الرومانسي" (بريز مورجان)، "سياق الطقوس وأداؤها ومعناها: الملكية البريطانية وابتداع التقاليد" (ديفيد كنادين)، "رسم ملامح السلطة في الهند الفيكتورية" (برنارد س كوهن)، "اختراع التراث في المستعمرات الإفريقية" (تيرنس رينجر)، "إنتاج التقاليد بالجملة: أوروبا 1870-1914" (إيريك هوبزباوم).
وهنا ننبه إلى أن كل فصل يثير تقاليد معينة يحتفى بها اليوم في حين إن أصولها تعود إلى أزمنة حديثة، وتأتي على رأسها التقاليد المرتبطة ببناء الدولة في أوروبا؛ ومنها فكرة النشيد الوطني الذي يعود أول نشيد إلى بريطانيا نحو عام 1740، وكذا فكرة العلم الوطني الذي كان تقليدا فرنسيا، وسارت عليه معظم الدول متخذا نموذج العلم ذي الألوان الثلاثة. وكذا مسألة إقرار المراسم العامة مثل يوم الباستيل 1880، والطوابع التاريخية المناسباتية... وغير ذلك المستحدثات. وتمتد تلك التقاليد أيضا إلى الممارسات الطقوسية من قبيل حمى بناء النصب التذكارية التي تعج بها ساحة الجمهورية، وميدان الأمة في فرنسا، وكذا شوارع العاصمة الألمانية برلين.
وفي سياق متصل بالموضوع نذكر بالباحث جورج كوسدورف Georges Gusdorf صاحب كتاب "الأسطورة والماورائيات" (1953) الذي قدم في كتابه ذاك دراسة ثاقبة للوظائف الأنطولوجية لأسطورة في الوعي الفردي للذات كما في الوعي الجماعي، ويبقى مؤلف "اختراع التقاليد" من وجهة محاولة تطبيقية لكشف بعض الجوانب التي قدمها كوسدروف في هذا الكتاب.
مرة أخرى عقل غربي عاقل يقيم الحجة على أبناء جلدته، ويستفزهم أيما استفزاز، كاشفا عن حقائق يعملون جاهدين على طمسها، من خلال اتهام الشرق بسيادة النزعة الطقوسية فيه، وحرصه على تقاليد الآباء والأجداد التي يوهموننا بأن القطيعة معها هو سبيل النجاة وباب الخلاص، في حين يبحث الغرب عن تلابيب هذه الطقوس للتشبث بها، وحين لم يجدها بدأ باختراعها أملا في "صناعة الانتماء".

الأكثر قراءة