«نساء ألمعيات» فنانات يرسمن كما تغني العصافير

«نساء ألمعيات» فنانات يرسمن كما تغني العصافير
«نساء ألمعيات» فنانات يرسمن كما تغني العصافير
«نساء ألمعيات» فنانات يرسمن كما تغني العصافير
«نساء ألمعيات» فنانات يرسمن كما تغني العصافير

تبدو اللوحة الجدارية المشاركة في معرض "الأرض وما بعدها" في أسبوع الفن السعودي المقام حاليا في جدة، نافذة مفتوحة على حدائق "رجال ألمع" النائمة في أحضان جبال السروات جنوبي السعودية، الرسوم البديعة العفوية تصور حالات عشق الجنوبي مع الطبيعة، وتملك سحرها في جذب الزوار للسؤال عن عناصرها وأسماء زهورها وتقاسيمها الفريدة من الأديب علي مغاوي الذي كان يقف إلى جانب زوجته فاطمة الألمعي إحدى الرسامات المبدعات لهذه الجدارية التي عرضت في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي من أجل دعم ترشيح قرية "رجال ألمع" لقائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي.

###غياب غير مبرر

مغاوي يشعر بالسعادة من تجمهر الزوار حوله، ويتحدث بفصاحته المعهودة عن معاني الجدارية، لكنه لا يجد إجابة مقنعة حول غياب هذا الفن النادر عن الأضواء ومتاحف الفنون المعاصرة، ويتطلع للتعريف بهذا الفن الأصيل المعرض للانقراض عبر جهود مؤسسية مثل مبادرة "فن جميل" الداعمة لمشروع الجدارية الذي كان فكرة الفنان أحمد ماطر، وتم تنفيذه عبر مشاركة الفنانات: شريفة محمد، فوزية محمد، فاطمة فايع، زهرة فايع، جميلة الصغير، صالحة الألمعي، عهود إبراهيم، أروى محمد، حليمة عسيري صالحة الراقدي، عهود مغاوي، فوزية بارزيق ونوارة مغاوي.
#2#
الجدارية تظهر مستوى متقدما في الحرفية على مستوى إتقان التفاصيل في التشكيلات اللونية المتناغمة كأنها بستان من زهور البرك والريحان والفل والكادي، وتشبه مساحات الجدارية كثيرا تضاريس البيئة الألمعية حتى أصبحت هذ النقوش علامات شهيرة للهوية الثقافية للمنطقة، استلهمتها الفنانة شادية عالم في لوحة (السوق) المختارة في مسابقة تلوين أجنحة طائرة الخطوط البريطانية.

تسرد الجدارية حكايات الأسلاف في تجليات روحانية وتعبيرات جمالية صادقة عن الجغرافيا الساحرة المحيطة، وملامح القمر العاشق وتحولات المواسم في الفصول الأربعة، وتستدعي من الذاكرة أنغام المطر والرعود والشلالات وأغنيات الحصاد، وشعاع الشمس الهارب بين فراغات الغيم، وتقف العرائس شامخة في أعلى النقش، وتحيط بها الأرياش على شكل سيقان الذرة، وتأتي بعدها المحاريب مثل أمواج البحر، وتمثل الأمشاط خطوط متوازية تتجه للأعلى أو إلى الأسفل، وتنقش مربعات الختام في النهاية بأشكال ودلالات مختلفة، ويطلق على الخطوط الأفقية (المثالث والمخامس) ثلاثة خطوط أو خمسة متوازية.
#3#
وتستخرج الأصباغ من خامات طبيعية تمزج مع الصمغ لتكوين الإشارات والرموز والأشكال النباتية المتناسقة. التي تعبر أحلام الطفولة وحكايات الأمهات وذاكرة الحقول والأساطير وتصاوير عجيبة تلقائية لمناظر خيالية، إذ يصبح الرسم نشاطا ممتعا خاليا من التعقيد والقيود والأبعاد الهندسية، فنانات لم يتعلمن الفن في مدرسة أو جامعة، ويرسمن بالفطرة كما تغني العصافير حسب ملاحظة الفرنسي تييري موجيه مؤلف "الجزيرة العربية حديقة الرسامين" الصادر في طبعته العربية عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة في عام 2009.

###دهشة ما قبل التاريخ

الكتاب أطروحة جامعية عن الهندسة المعمارية وفن الجداريات في عسير نال بها شهادة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا والأعراق البشرية من معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس، وحصيلة رحلات متعددة في أرجاء منطقة عسير لاستكشاف هذا الفن الذي تطور عبر السنين في ظروف صعبة، "شعرت بالمتع المدهشة نفسها التي يشعر بها مؤرخ مرحلة ما قبل التاريخ في محاولته التواصل مع أجدادنا عبر رسومهم الجدارية، ومعظمها دمرته الانهيارات التي تسببها الأمطار الغزيرة أو حجبته رسوم جديدة صناعية".

ويذكر أيضا في كتابه أن مهارة النقش الجداري في الأغلب نشاط جماعي تحت مراقبة عين مختصة، وأكثر ما تنجح فيه فعليا الرسامات هو تكرار الأشكال وتحسينها، وإتقان ما أبدعته فنانة موهوبة في لحظة معينة.
#4#
تبدأ النسوة دائما في رسم الإطار، ثم يشاركن في تعبئة الزخارف المحددة. حركة الرسم تجربة دقيقة تتطلب الكثير من التدريب. ينظم كامل الذراع الضغط بما أن الرسامة تعمل بالضرورة بيد مرفوعة دون أن تستطيع الاتكاء على الجدران، لذلك يجب أن تكون الفرشاة قوية ومرنة، وعادة ما تكون مصنوعة من شعر الماعز، وكذلك يمكن استخدام المسواك الذي يخصص بشكل حصري لنقاط الألوان التي توضع على الجدار لإرشاد المساعدات.

يشير موجيه إلى استعمال صبغات طبيعية من أصل معدني ونباتي، وعدد الألوان المحدود تفرضه قلة الصبغات المتوافرة محليا، وفي الأحوال كلها كانت المادة المستخلصة تطحن حتى تصبح مسحوقا ناعما على رحى من الحجر، ثم يذوب المسحوق في الماء ليصبح لزجا وأكثر تماسكا وسريع الالتصاق، ويضاف طحين الأرز لتأمين تماسك الصبغات، وهذه الألوان كلها كانت تستخدم دون أن تخلط بألوان أخرى من أجل أن تبقى صامدة قرابة نصف قرن من الزمان.

ويعتقد موجيه أن تكوين الزخارف البسيطة والمركبة يستدعي تركيبا مصغرا، وهذه الزخارف في ما بينها تستند إلى تركيب عام حيث تقوم الأولى على مفهوم التناظر، والثانية تقوم على الإيقاع، وهو مفهوم يتعلق بالفنون الزخرفية، وهذا ما يؤكده ليفي شتراوس، وهو يورد التحليلات عن توزيع الزخارف والألوان في المنسوجات والحلي. مضيفا "أن العلاقات القوية التي لمسناها بين الأشكال المرسومة والملبوسات تقودنا إلى رد كل زخرفة إلى فكرة الكساء للعثور على جماليات النسيج، ونحن نرى أثناء تجوالنا أن الرسوم الجدارية تترك مكانها لسجادة تغطي الجدران ولقطع قماش مطرزة باللآلئ الفضية من صناعة حرفية يمتد استخدامها إلى المشغولات الفضية، ويعيد ترتيبها إنتاج زخارف هندسية يتطابق نظامها مع سلسلة الأشكال المرسومة".

ويوجد عادة في المجلس دعامة رئيسية يطلق عليها "بترة" بهدف إعطاء الغرفة عمقا أكبر، وتأخذ زخرفتها شكل سجادة غامضة تتوازن زخارفها بما يمتع العين. ويعتبر موجيه أن القيمة الاستثنائية للأعمدة أو "البتر" بقرية رجال ألمع تمنحها مكانة متميزة في الفن الجداري" ولا نبالغ إذا قلنا: إن تبني البترة أو الإحالة الدقيقة إلى المكان هما مدار رهان الهوية. وبترة المتحف التي رسمتها الفنانة فاطمة أبو قحاص تدل على القرية وتميزها كمعلم سياحي فريد إلى درجة أنها تصبح رمزا وشعارا خاصا بها.

الأكثر قراءة