المضاربون في سوق الأسهم وتقدير المخاطر

تتحكم في سوق الأسهم تقديرات المضاربين للمخاطر، والمخاطر تقسم إلى ثلاثة أنواع، منتظمة وغير منتظمة ونفسية. المخاطر المنتظمة، ناتجة من النشاط الاقتصادي الكلي ولا يمكن تجنبها، بينما المخاطر غير المنتظمة ترتبط بتوقعات العائد على السهم وترجع إلى عوامل خاصة بالشركة. المخاطر النفسية تتعلق بالمستثمر نفسه عند اتخاذ قراراته. وفي ضوء هذه الأنواع من المخاطر نحاول قراءة تراجع نحو 47 شركة من الشركات المتداولة في سوق الأسهم السعودية (28 في المائة) دون قيمتها الدفترية، وذلك عقب انخفاض مؤشر السوق من 9897 نقطة إلى 5660 نقطة (بنسبة 43 في المائة تقريبا). وهذا التراجع يرجع إلى إعادة تقييم المستثمرين للمخاطر عند أسعار مستوى (9800 نقطة)، ونظرتهم السلبية؛ ما دفعهم إلى التخلص من الأسهم والبيع بكثافة، وعدم الشراء حتى وصل المؤشر إلى مستوى 5600 نقطة، وتراجعت الأسعار حتى دون القيمة الدفترية.
إلى القيمة الدفترية لصافي الأصول فإن سعر السهم يعكس التوقعات المستقبلية للأرباح، سعر السهم يجد التوازن بين تقييمات المستثمرين لمخاطر الحصول على هذه الأرباح في المستقبل، وتتوزع الاستثمارات بين الأسهم بناء على توزيع المخاطر داخل السوق ككل، وإذا تفاقمت تقديرات المخاطر على مستوى الاقتصاد الكلي تراجع المؤشر العام لجميع القطاعات. لكن يجب ملاحظة أن الحد الأعلى للمخاطر يتحقق إذا وصل سعر السهم السوقي (سعر السهم في السوق) إلى مستوى القيمة الدفترية، لأن ذلك يجعل الاستثمار في السهم محميا بأصول الشركة حتى في حالة التصفية، بل قد تتحقق للمستثمر أرباح عند تصفية الشركة. عندما تتراجع الأسعار حتى دون القيمة الدفترية فإننا أمام مشكلة غير عادية، لا تفسرها تقديرات المستثمرين للمخاطر؛ بل هناك مشكلة معلوماتية في السوق (مشكلة عدم كفاءة السوق في المعلومات)، لكنها هنا عند هذه المستويات من الأسعار والتأثير العام لها تشير إلى مشكلة كبيرة في كفاءة السوق ككل ويجب التصدي لها بحزم.
إذا تراجعت الأسعار عن نقطة الأمان "عندها القيمة السوقية تساوي القيمة الدفترية"، فإن القيمة الدفترية المعلنة مشكوك في صحتها، وهناك من يعرف القيمة الصحيحة ولهذا تنزل الأسعار إلى القيمة الحقيقية لصافي الأصول، لكن التشكيك في صحة القيمة الدفترية تشكيك في المعلومات المنشورة في القوائم المالية عن الشركة من جانب، وأن هناك تسريبا للمعلومات في الشركة من جانب آخر، وإذا كان هذا ممكنا قبوله في شركة واحدة فإنه يصعب جدا قبوله في 47 شركة، خاصة أن 74 في المائة من الشركات التي تتداول دون القيمة الدفترية تفصح عن زيادة في بند الأرباح المبقاة نتيجة ربحية الشركة المستمرة، بل إن بعض هذه الشركات أعلن توزيعات نقدية فعلية. إذا لا بد أن نستبعد خيار وجود مخاطر غير منتظمة متفاقمة في السوق، ويبقى لنا احتمال تفاقم المخاطر في الاقتصاد الكلي، (المخاطر المنتظمة)، لكن المعلوم أن الموازنة العامة للدولة أتت بمستويات الصرف السابقة نفسها، وتتجه الدولة نحو دعم النمو الاقتصادي، يوجد لدى لدولة احتياطيات كافية لمواجهة تقلبات الاقتصاد. وتراجع أسعار النفط يمكن تعويضه برفع الدعم عن بعض الأنشطة وكذلك زيادة أسعار الوقود الداخلية، وأيضا فإن الاستقرار في السوق النفطية متوقع قريبا، كما أن المملكة تتمتع باستقرار سياسي ووحدة داخلية مميزة ومشجعة، فلا توجد معلومات غير متاحة عن مخاطر اقتصادية كبيرة تتسبب في انخفاض الأسعار حتى دون حدود الأمان القصوى. تبقى لدينا مسألة مهمة في التحليل، وهي سعر صرف الريال، حيث إنه من المحتمل أن يكون هناك تفاوت بين سعر صرف الريال وتقييم الأصول في الشركات، ولهذا يعكس سعر السهم التقييم الصحيح لقيمة صافي الأصول وفقا لسعر الصرف الحقيقي. لكن هذا صحيح فقط إذا كانت هناك سوقان صريحتان لأسعار صرف الريال والحكومة غير قادرة على السيطرة؛ لكن هذا غير واقع الحال، فالمملكة تثبت سعر الصرف مع الدولار، وأيضا لديها سياسة نقدية متميزة، إضافة إلى أن مستويات التضخم مستقرة. وهذا فلا مبرر لتراجع الأسعار إلى هذا المستوى من جانب الاقتصاد الكلي والمخاطر المنتظمة، فلم يبق لدينا إلا موضوع المخاطر النفسية.
من الملاحظ تصدر قطاع البتروكيماويات في نسبة عدد الشركات المتراجع سعر تداولها عن قيمتها الدفترية، حيث تراجعت أسعار 79 في المائة من الشركات المدرجة في القطاع، يليه قطاع الاستثمار المتعدد بنسبة 57 في المائة، وحل ثالثا "المصارف" بنسبة 50 في المائة، بينما كان قطاع التجزئة الأقل من بين القطاعات، حيث تراجعت 7 في المائة فقط من شركات القطاع دون القيمة الدفترية. هذا التحليل مهم جدا، وفيه حل المشكلة، فالمعروف أن قطاع البتروكيماويات أكبر القطاعات في السوق، وهذا انعكس على وزنه في المؤشر العام، فمع التعديلات الأخيرة في أسعار الوقود، وكذلك أثر التعديلات في التوجهات الاقتصادية الحكومية عن الدعم لشركات هذا القطاع، وتراجع أسعار البتروكيماويات على مستوى العالم وحجم المنافسة حتى في السوق المحلية، فإن هذه القطاع يوجه مخاطر غير عادية، تسببت في تراجع أسعار جميع أسهم هذا القطاع، خاصة أن يتعرض لضبابية ونقص حاد في المعلومات نتيجة ضبابية سوق النفط، والمشكلة الأخرى أن المصارف متورطة بشكل أو بآخر مع هذا القطاع نتيجة حجم التمويل والاستثمارات فيه والتسهيلات الممنوحة له، وشركات الاستثمار المتعدد مرتبطة باستثمارات نوعية مع هذه القطاع لهذا عندما بدأت المخاوف تظهر قطاع البتروكيماويات انتقلت فورا إلى المصارف والاستثمار المتعدّد، فإذا أضفنا لهذا مشكلة قطاع المقاولات والإنشاءات والعقارات، فإن مشكلة قلق ونفسي تضرب السوق بعنف، التي صاحبها هيكل السوق المالية التي لا تعكس حقيقة الاقتصاد، نظرا لتضخمها في جانب مثل البتروكيماويات والتأمين وضعفها في جانب آخر مثل التجزئة، لهذا فإذا ظهرت تذبذبات في ثلاثة قطاعات مترابطة، فإن الخوف النفسي قد انتشر في السوق لعدم قدرة سوق الأسهم ككل على عكس حقيقة القطاعات الفعلية في الاقتصاد. يجب إعادة الثقة للسوق مع تهدئة بزيادة مستويات الإفصاح من جانب المصارف خاصة، والقيام بمحاولات جادة لهيكلة السوق بشكل صحيح بما يعكس حقيقة الاقتصاد وقطاعاته وأرباحه، حيث تخرج من السوق كل الشركات التي لا تحقق أرباحا، وتشجيع شركات كثيرة متميزة لدخول السوق، ومنها شركات سياحية مهمة وشركات عائلية عملاقة في التصنيع والنقل والتجزئة والوكالات التجارية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي