«الشبكة المظلمة».. ما لا يرى من جبل جليد الإنترنت

«الشبكة المظلمة».. ما لا يرى من جبل جليد الإنترنت

"انتهاء عصر السيطرة الكاملة".. يمكن القول إن هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي يؤكده لنا الكتاب المعنون "الشبكة المظلمة: داخل العالم الرقمي" وفقا لعرض الباحثة في العلوم السياسية رضوى منتصر؛ إذ إن الشبكة المظلمة، التي تعد أحد التطبيقات الخفية للإنترنت قد أتاحت لعديد من المواطنين الولوج إلى الإنترنت مع إخفاء كامل لهويتهم، ولا يمكن الوصول إلى هذه الشبكة من خلال محرك البحث التقليدي جوجل، حيث تعتمد على متصفحات يصعب اختراقها مثل the onion router أو tor.
لقد دفع ذلك جيمي بارتلت، مدير مركز تحليل وسائل التواصل الاجتماعي والمتخصص في الحركات الاجتماعية، ولا سيما دورها في الترويج لأفكارها على الإنترنت وتأثيرات التكنولوجيا على المجتمع، إلى إصدار هذا الكتاب في 2015 لتوضيح الأنشطة المختلفة للشبكة المظلمة، واعتمد في كتابه على مقابلاته مع عديد من المستخدمين، بالإضافة إلى قيامه بالولوج إلى الشبكة المظلمة. أنماط التهديدات:
أدت الشبكة المظلمة إلى تصاعد مجموعة من التهديدات على رأسها ما يلي:
1 - عمليات الاغتيال السياسي: وهي المهمة التي يقوم بها البعض في الشبكة المظلمة في مقابل أجر مادي، فهناك عدد من المواقع التي تعلن قدرتها على القيام بتلك المهام لمن يدفع الثمن، خاصة القيام بقتل السياسيين البارزين، فبالدخول إلى تلك المواقع وجد الباحث أن هناك صورا لعدد كبير من المسؤولين البارزين، وبجانب كل منهم التكلفة المالية الخاصة بعملية الاغتيال، وهو ما يطلق عليه الكاتب اسم "سوق الاغتيال "Assassination Market".
كما أنه في بعض الأحيان يتم عرض صورة أحد السياسيين الذي يكثر الجدل حوله، ويطلب من المواطنين الذين يريدون أن يتم اغتياله أن يتبرعوا بمبلغ مالي للقاتل المأجور، وقد يعرض القائم بعملية الاغتيال هذا الأمر في بعض الأحيان.
2 - الاستغلال الجنسي للقاصرين: يعتبر نشر الصور والمقاطع الإباحية هي النشاط أو التطبيق الأبرز للشبكة المظلمة، وهو الأكثر جذبا لعدد كبير من الأفراد من جميع الدول، فهناك مواقع متخصصة في تداول المواد الإباحية للأطفال على الشبكة، ونشر المئات من الصور غير القانونية وغير المشروعة، ما يمثل انتهاكا واضحا لحقوق الطفل، ولم يختلف الأمر كثيرا فيما يقوم به البعض من عرض فيديوهات وصور إباحية بشكل عام، وهو ما يعتبر بمثابة انتهاك لحقوق المرأة. وهو ما دفع الحكومات إلى اتخاذ عدد من الإجراءات اللازمة لمواجهة ذلك، وتمثل بشكل أساسي في جهود الحكومة البريطانية من أجل إيقاف نشر صور إباحية للأطفال، وغلق العديد من المواقع التي تقوم بذلك، وإنشاء مؤسسة تختص بشكل أساسي في مراقبة ما يتم نشره على مواقع الإنترنت.
كما قام عدد من الحكومات بتدشين عدد من الحملات بهدف استهداف الجماعات التي تقوم بنشر صور إباحية للأطفال، ومن ذلك ما قامت به الحكومة الأمريكية -على سبيل المثال- في 1999 بإيقاف أعمال شركة landslide inc نتيجة تورطها في تداول صور إباحية للأطفال، والسيطرة على قواعد البيانات الخاصة بها.
3 - نشر التطرف والإرهاب: هناك صفحات متخصصة في نشر الأفكار العنصرية المتطرفة، ونجد أن هناك تنوعا في عرض الأفكار الإرهابية، حيث لا تتركز على إرهاب الجماعات الإسلامية المتطرفة، ولكنها تشمل أيضا الأفكار العنصرية التي تدعم البيض على حساب السود والملونين، وتعطي لهم السيادة في مقابل الأقليات الأخرى.
وتعد الشبكة المظلمة بمنزلة منصة لبث أفكار عديد من الحركات، مثل حركة الفلاش، وعدد من الحركات الإيطالية، ووسيلة لعرض أفكارهم العاجزين عن عرضها علنا، كما يوجد عدد من الصفحات لعدد من العنصريين الفرنسيين والإنجليز الذين يهاجمون الأقليات ويعطون السيادة للجنس الأبيض، وهناك من يرفع شعارات معادية للإسلام والمسلمين، وينشر صورا مهينة لهم، وهناك عديد من الصفحات والمنتديات التي أعطت فرصة للمتطرفين السياسيين للتعبير عن آرائهم، واستقطاب المؤيدين لأفكارهم لكي ينضموا إلى صفوفهم.
ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى ما قام به "أندرس بيرنج" اليميني المتطرف من تدشين مدونات بهدف القيام بعمليات إرهابية، وهو ما تم بالفعل في النرويج من عمل إرهابي في يوليو 2011 أدى إلى مقتل 77 شخصا، كما أن هناك حالة من التذمر من زيادة عدد المسلمين في أوروبا، ما جعل بعضهم يدشن عددا من الحركات، التي تسعى إلى القيام بأفعال تؤدي إلى إثارة ذعر المسلمين في أوروبا. من ناحية أخرى، قامت بعض الجماعات المتطرفة بالتنسيق والتواصل عن طريق الشبكة المظلمة، فيما بينها من أجل القيام بعدد من العمليات الإرهابية، كما تم الكشف عن أن الإرهابيين الذين قاموا بهجمات 11 سبتمبر استخدموا نظام PGP من أجل إرسال رسائل مشفرة بينهم يصعب اختراقها، وهو ما مكنهم من إتمام مهامهم دون الكشف عنهم، بالإضافة إلى وجود مواقع تقوم باستقطاب المقاتلين.
4 - المواد المخدرة: هناك عديد من الأسواق، التي تقوم بالترويج للمواد المخدرة، ويأتي على رأسها موقع "طريق الحرير"، وهو موقع لديه قدر كبير من السرية، ما يصعب اختراقه من قبل الحكومات وأجهزة المراقبة، كما تتوافر لديه أصناف مختلفة ومتنوعة من المواد المخدرة المعروضة ملحق بها الأسعار الخاصة بكل نوع، وكيفية الدفع والحصول عليها باستخدام عملة BITCOIN.
ووفقا لاستبيان تم إجراؤه في 2014 لعددٍ كبيرٍ من متناولي المخدرات نحو 80.000 ألف فرد من 43 دولة، ثبت أن هناك تزايدا في عدد مستخدمي المواقع الإلكترونية المتخصصة في الترويج للمواد المخدرة وبيعها، ولم يعد هناك اعتماد كبير على الأساليب التقليدية في الحصول على المواد المخدرة، أضف إلى ذلك تزايد أعداد متعاطي المخدرات نتيجة نجاح تلك الأسواق في الترويج لها.
ولكن على الرغم من ذلك، نجد أن هناك عديدا من الأفراد الذين ليس لديهم وعي بكيفية التصفح على الإنترنت من خلال المتصفح TOR، كما أنهم لا يعرفون كيفية الدفع بعملة BITCOIN، ولا كيفية إرسال رسائل مشفرة من خلال PGP، لذا تم تدشين عدد من التطبيقات وورش العمل من أجل الترويج لكيفية الاستخدام والدخول والمميزات، التي توفرها تلك المواقع وإصدار وعقد محاضرات تتعلق بذلك.
5 - العملات الرقمية: قامت الشبكة المظلمة بإطلاق عملة جديدة في 2009 تدعى BITCOIN، وهي عملة رقمية خاصة بها تستخدم في التعاملات المالية داخل الشبكة المظلمة، ولها تسلسل رقمي فريد، كما أنها ليست مرتبطة في قيمتها بالعملات الأخرى، ولكن قيمتها تكمن في أهميتها بالنسبة للأفراد واستخدامها، حيث يمكن لأي شخص تحميل تلك العملة من الجهاز الحاسوبي الخاص به، وشرائها بالعملة التقليدية الخاصة بالدول، واستخدامها في شراء وبيع السلع والمنتجات إلكترونيا دون الحاجة إلى رقابة من سلطة مركزية.
وتستخدم تلك العملة في عمليات البيع والشراء في الأسواق التي تبيع المخدرات، مثل موقع "طريق الحرير"، وتزايد بالفعل استخدام BITCOIN حيث قفزت العملة إلى ما يعادل أكثر من 1000 دولار، ويتم تداولها بشكل يومي.
آليات مواجهة الشبكة المظلمة:
أصبح من الصعب على الحكومة ممارسة الرقابة على المواطن؛ حيث يمكنه التهرب من خلال البرامج الحاسوبية المتطورة، وقد سعى عديد من الحكومات الغربية خاصة إلى اتخاذ عديد من الخطوات الجادة من أجل مواجهة الشبكة المظلمة، تمثل ذلك- على سبيل المثال- في إطلاق مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية حملة من أجل مواجهة قراصنة الكمبيوتر، وفرض رقابة على بيانات المواطنين الذين يقومون بالدخول على المواقع الإلكترونية المشبوهة.
كما قام البرلمان الأسترالي في 2012 بتمرير عدد من القوانين من أجل مكافحة جرائم الإنترنت، ما يعطي للحكومة مزيدا من السلطة، والسماح بمراقبة الاتصالات عبر الإنترنت بين الأفراد، وخلق هذا القانون صداما بين الحكومة الأسترالية والجماعات المدافعة عن الحريات المدنية.
وقامت كل من الحكومة البريطانية والأمريكية بإصدار عدد من التشريعات من أجل قيام مؤسسات متخصصة بمراقبة ما يتم تداوله على شبكة الإنترنت ومكافحة الجرائم التي تتم عن طريق الإنترنت، بيد أن كل هذه الجهود لم تكن كافية.
ختاما.. يمكن القول إن هناك نشاطا متصاعدا للشبكة المظلمة يمثل تهديدا واضحا للأمن القومي للدول، خاصة في ظل استخدامها في عمليات إرهابية موسعة، كان أبرزها وأخطرها هجمات 11 سبتمبر، إضافة إلى اختراقها الأمن الداخلي للدولة من خلال تداول المخدرات بشكل يمثل خطورة حقيقية، وكذلك تداول الوثائق السرية التي قد تضر بأمن الدولة العليا.

الأكثر قراءة