اقتصاد الحقوق الفكرية .. الغائب

اقتصاد الحقوق الفكرية على الساحة العربية ليس غائباً تماماً. ففي السنوات الماضية حققت بعض البلدان العربية تقدماً ما في هذا المجال، لكنها بقيت دون مستوى المطلوب، والأهم دون مستوى العوائد المتوقعة من مثل هذا الاقتصاد. في البلدان التي حققت التقدم المشار إليه، ظلت حقوق الملكية الفكرية في إطارها البدائي، الذي يستند إلى ملاحقة ما ينتهك هذه الملكية، دون أن تصل إلى مرحلة مأسسة الملكية وفق المعايير الاقتصادية المتطورة. بعض الجهات العربية، تعتقد أن الملكية الفكرية لها رابط مباشر لما أصبح يعرف بـ "اقتصاد المعرفة". ووفق هذا المفهوم، فإن تقدم اقتصاد الملكية الفكرية بات ملازماً لاقتصاد المعرفة. وهذا ليس صحيحاً تماماً، فالابتكار والأفكار المتطورة والفريدة تحتاج إلى معايير اقتصادية لاحتوائها، ودفعها إلى مرحلة التطبيق، وهذا غير متوافر على الساحة العربية في الوقت الراهن.
ترى المنظمة العالمية للحماية الفكرية المعروفة اختصاراً بـ "ويبو" WIPO، أن الحكومات تواجه خيارات تصميم نظام الملكية الفكرية بما يخدم أهداف سياساتها على أفضل وجه، كما أن عليها أن تستجيب للتغيرات التي تشهدها التكنولوجيا ونماذج الأعمال، التي قد تطرح تحديات أمام الوضع الراهن". وإذا ما طبقنا هذا التوصيف على البلدان العربية، نجد أنها لا تزال بعيدة عنه، على الرغم من أن بعضها اتبع سياسات عملية في هذا الاتجاه. فلا تزال الجهود التي بذلت والقرارات التي اتخذت، غير متجانسة مع ربط الملكية الفكرية بما فيها من ابتكار واختراعات وإبداعات بالنمو الاقتصادي. دون أن ننسى، أن الدول العربية لم يظهر فيها ما يمكن وصفه بـ "الابتكار الخارق"، وهو ابتكار لا يدعم النمو فحسب، بل يحدث تحولاً جذرياً في القطاع الذي يستهدفه.
وفي مؤشر الابتكار العالمي الذي يرتب أداء 141 بلداً واقتصاداً، استناداً إلى 79 مؤشراً، لا تجد حضوراً للدول العربية، على الرغم من أن البلدان المتقدمة والنامية تسعى إلى تحقيق خطوات عملية في هذا المجال. فالسياسات الموجهة نحو الابتكار في العالم العربي قليلة، وإن وجدت فإنها متواضعة، خصوصاً بعدما أصبحت القدرة على الابتكار إحدى أهم العلامات لاقتصادات ليست متطورة فحسب، بل قادرة على محاكاة المستقبل، ويمكنها في الوقت نفسه أن تتمتع بقدرة تنافسية عالية المستوى. هذا لا يعني أنه لا توجد في العالم العربي مصادر ابتكارية على صعيد الفرد والمؤسسات، بل ليس هناك حاضنة عالية الجودة للتعاطي مع هذه المصادر، فتسجيل الحقوق الفكرية، دون إخضاعها للتنفيذ لا قيمة له على الإطلاق.
لم تعد التنمية - ومنذ سنوات طويلة - تستند فقط إلى المصادر التقليدية للاقتصاد. بل إن بعض هذه المصادر صارت عبئا على الاقتصادات، في بعض النواحي، كما أن السباق الابتكاري والفكري بات متسارعا ولا سيما مع بداية القرن الحادي والعشرين، بحيث يصعب على كثير من البلدان مواكبته، خصوصاً تلك التي تعيش في وهم الأدوات التقليدية المعروفة للاقتصاد، بما في ذلك الثروات الطبيعية. ولا بد من الاعتراف هنا، أن بعض البلدان النامية لا تعرف الفرق بين الأدوات الاقتصادية المعروفة وتلك المتوالدة أو المبتكرة. وهنا تكمن المشكلة التي تدفع بهذه البلدان إلى الدرجات الدنيا في عالم الابتكار والإبداع.
في العقود الثلاثة الماضية، ظهرت اختراعات رائعة غيرت بالفعل أغلبية جوانب النشاط البشري، وكلها صبت في هيكلية الاقتصادات الوطنية التي احتضنتها ووفرت لها الآليات اللازمة للتحول من أفكار إلى إنتاج حقيقي على الأرض. ولا بد للبلدان التي لا تزال متأخرة في هذا المجال، أن يكون لها دور في المستقبل، ليس من أجل المصلحة العالمية فحسب بل من أجل مصلحة الاقتصادات المحلية أولاً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي