سيادة الدول لا تمنع الفوضى .. القوة تصنعها وتوقفها
كلما أمعنت الإنسانية في التقعيد والتقنين والتدوين سعياً إلى مزيد من الضبط والتنظيم للعلاقات، القائمة بين الدول فيما بينها أو بين المواطنين داخل الدولة، في عالم يسير منحى التعقيد والتشابك، عمت الفوضى واتسع نطاق التدخلات وازدادت دوائر التعسف، حتى وجد العالم نفسه اليوم مؤطرا بمقولة -أحد رجال فقهاء القانون الألمان تعود إلى القرن الماضي- التي مضمونها "لا يزال المجتمع الدولي يواجه معضلة ما اصطلح عليه في اللغة الألمانية على نحو ملائم "souveranitätsnärichie" أي فوضى الدول ذات السيادة".
لكن، ما معنى دولة "ذات سيادة"؟ وما المساواة في السيادة بين الدول التي يُعلنها ميثاق الأمم المتحدة رسميا؟ أليس الحديث عن السيادة في العلاقات الدولية مجرد غطاء لأحلاف مضْمرة وأقطاب معلنة؟ ألم يكن الفرنسي برتران بادي Bertrand Badie في مؤلفه -منذ نهاية القرن الماضي- "عالم بلا سيادة: الدول بين المراوغة والمسؤولية" محقا فيما ذهب إليه في ذاك الكتاب؛ وهو بالمناسبة استمرارية لأطروحته الأساسية التي فصلها في كتاب "انقلاب العالم: سوسيولوجيا المسرح العالمي".
ثم أليس السعي نحو تعظيم المنافع المشتركة بين البشرية ماديا كانت أو رمزيا كفيلا بالتخلص من فكرة السيادة؛ فحماية البيئة والاهتمام بموضوعات الزيادة السكانية والفقر والموارد الطبيعية المحدودة ومستقبل الكرة الأرضية.. تكفي لجعل فكرة السيادة أضغاث أحلام في واقعنا المعاصر أو على الأقل تحويلها من فكرة مطلقة مؤسسية إلى مبدأ نسبي يحتمل القسمة والتشارك.
تاريخيا، تعود جذور فكرة السيادة إلى عالم الاقتصاد والفيلسوف الفرنسي جان بودان Jean Bodin الذي ألهمت أفكاره الملكيات المستبدة، في أوروبا في القرن السادس عشر، بذات الوتيرة التي ألهمت مقولات هانز مورجنثاو Hans Morgenthau هنري كيسنجر في القرن العشرين. لم يؤثر الفارق الزمني كثيرا في تعريف السيادة عند الرجلين، فالأول يراها "سلطة مطلقة ودائمة للجمهورية"، أما عند الثاني فهي "سلطة مركزية تمارس سلطانها الأعلى على الأرض".
يشهد التاريخ بأن العلاقات الدولية منذ القدم كانت خاضعة للقوة أكثر من خضوعها لمبدأ السيادة، إذ لا مجال للحديث عن السيادة إلا باعتراف الآخر، وفي ظل المعاملة بالمثل، وهو ما لم يتعيّن كثيرا في مجريات أحداث التاريخ "سلام ويستفالي، سلام فرساي...".
ولنا في مجريات مؤتمر باندونج (18 - 25 أبريل 1955) الذي ضم 27 دولة حديثة العهد بالاستقلال، بحضور قامات كبيرة من طينة جمال عبد الناصر، هواري بومدين، أحمد سوكارنو، تشو آن لاي وجواهر لال نهرو... دليل على سيادة منطق القوة في العلاقات الدولية، وكاشفا كذلك لتلك النظرة الرومانسية للسيادة القومية ضد الهجمات القادمة من الشمال، ومن مركز النظام الدولي الجديد على وجه التحديد، الذي لم ترق له كثيرا المبادئ العشرة لهذا المؤتمر المعروفة باسم "مبادئ التعايش السلمي": "احترام حقوق الإنسان الأساسية، احترام سيادة وسلامة أراضي جميع الأمم، الاعتراف بالمساواة بين جميع الأجناس وجميع الأمم الصغيرة والكبيرة، عدم الاعتداء، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، احترام حق الأمم في الدفاع عن نفسها ذاتيا وجماعيا، رفض إجراءات الدفاع الجماعي الذي يستهدف خدمة مصالح الدول الكبرى ورفض جميع أشكال الضغوط، تسوية النزاعات سلميا، ورفع مستوى التعاون واحترام العدالة"؛ لاحتوائها على أفكار روسو وجنود الثورة الفرنسية ومبادئ ويلسون حقوق ميثاق الأمم المتحدة.
ويشهد التاريخ أيضا أن حروب السيادة في عالمنا المعاصر أكثر من أن تعد وتحصى "حرب كمبوديا والفيتنام، أنجولا والموزمبيق، تدخلات السوفيات في المجر وتشيكوسلوفاكيا، فرنسا في الجابون وإفريقيا الوسطى والتشاد والجزائر،..." غير أن الخاصية المميزة لهذه الحروب هي كونها "حروب سيادة مقنعة" تدار مجرياتها في الكواليس وأحداثها فيما وراء الستار، لأن الدول في تلك الفترة كانت تحرص على نقاء صورتها الخارجية، وتحتفظ لنفسها بذرة حياء.
أما اليوم، وفي ظل منتظم دولي بهيئات قائمة، فلا تتوانى بعض الدول في خرق القواعد والأعراف والعادات العريقة في التاريخ دون أن يحرك أحد ساكنا؛ ما عدا بعض الإدانات والتنديد المحتشم هنا وهناك من حين إلى آخر، من باب تسجيل الحضور والرغبة في التذكير بالوجود فقط.
لن نتيه في جناب المسرح العالمي بأحداثه الكثيرة ووقائعه الجمة، ونكتفي بــ "المستنقع السوري" دليلا على خرافة السيادة في العالم المعاصر وعلى مر التاريخ، ونتساءل: بأي وجه حق تتدخل روسيا وقبلها إيران في "ثورة" أو "انتفاضة" أو "تمرد" أو "عصيان"... إلى غير ذلك من المفاهيم المتداولة في حقل العلوم السياسية، لشعب ضد حاكمه لإجباره على التنحية عن الحكم، وتغيير قواعد اللعبة السياسية في البلاد. قد لا نجانب الصواب كثيرا إن قلنا إن "الضمير الإنساني" وصل إلى أعلى مراتب النفاق في واقعنا المعاصر، حين يصمت على تكالب ثلاث دول "روسيا وإيران وسورية" على شعب كل ذنبه أنه طالب بالحرية والكرامة، وباقي القيم الإنسانية التي تمثل الحد الأدنى الضروري لكل فرد يحيى في القرن الحادي والعشرين.
ثم أليس زيفا ووهما ما ندعيه من مدنية وتحضر وسعي إلى كثرة من المواثيق والقوانين والقواعد التي ستؤرق لا محالة بال الأجيال القادمة، بالنظر إلى كمها نظريا دون فعالية واقعية. ثم أين نحن اليوم من كلام يعود إلى أواسط القرن السادس عشر حيث نقرأ لبودان "ليس من شأن إنجلترا ولا إسبانيا التدخل في الحرب الأهلية في فرنسا، كما أن أي تضامن ديني عابر للأوطان لا يملك تفويضا بإعادة توطيد النظام أو إعادة توزيع السلطة".