اقتصاد المعرفة واستهلاك النفط في المملكة

في تقرير نشرته "الاقتصادية" اقترب الاستهلاك المحلي للمملكة من النفط الخام ومشتقاته خلال العام الماضي من مليار برميل، فيما بلغت الصادرات 2.6 مليار برميل. وهذا يشير بلا أدنى شك إلى أننا نواجه مشكلة خاصة، فنحن ببساطة نستهلك كميات ضخمة من النفط تعادل نصف ما نصدره تقريبا. وبحسب تحليل لوحدة التقارير الاقتصادية في صحيفة "الاقتصادية"، فإن هناك علاقة مباشرة بين استهلاكنا للنفط واستهلاكنا للطاقة الكهربائية. فقد تبين أن المتوسط اليومي للاستهلاك من النفط في حزيران (يونيو) هو الأعلى من بقية الأشهر الأخرى لعدة أسباب، أولا، ارتفاع درجة الحرارة خلاله، حيث سجلت الشركة السعودية للكهرباء أعلى حمل ذروي خلال حزيران (يونيو)، إضافة إلى أن شهر رمضان المبارك كان في منتصف حزيران (يونيو) 2015. إذا فالكهرباء هي المحرك الأساسي لاستهلاكنا للنفط، كما أن ارتباط ارتفاع الاستهلاك مع ارتفاع درجات الحرارة، يشير إلى أن التبريد والتكييف هما المحرك الأكبر لاستهلاكنا من الكهرباء. وهذا دليل أيضا من حيث إن شهر الربيع آذار (مارس) هو الأقل استهلاكا من النفط، وبربط الموضوع باستهلاكنا للكهرباء، نجد أن هذا الشهر بالذات مرتبط بدرجات الحرارة المعتدلة، ما يجعل كثيرا من السكان لا يعمدون إلى تشغيل المكيفات واستخدام المبردات. إذا فنحن أمام متلازمة النفط والتكييف، وارتفاع الاستهلاك المحلي بدرجات قياسية من الأمرين معا، ولا بد من حل قبل أن نصل إلى استهلاك جميع ما ننتجه من النفط بسبب التكييف والتبريد.
يجب ألا نعول كثيرا على مسألة التوعية والوعي، فالحرارة ستجبر المواطنين والمقيمين على استخدام التبريد، ونحن نعيش في بلد ذي مناخ صحراوي قاري، فالحراراة على هذه الصحراء التي نعيش فيها لن تتوقف أبدا بينما النفط مورد ناضب بطبيعته، ولا بد من أن نستجيب لهذه المواقف المتباينة، لا يوجد حتى الآن حل جذري قريب لهذه المشكلة. لكن المشكلات التي تصنع تحديات وتصنع فرصا في الوقت نفسه، ولا بد لنا من استكشاف الفرص التي يمنحها الوضع الراهن. هنا نحتاج إلى اقتصاد المعرفة، نحتاج إلى الابتكار والبحث والتطوير. نحتاج إلى توجيه استثمارات ضخمة لإنشاء مراكز أبحاث ومعاهد متخصصة لهذه المعضلة، فلا بد من حل استراتيجي لها. واقتصاد المعرفة ليس نظرية للحل بذاته بقدر ما هو أسلوب للعمل لبذل جهود كبيرة في تطوير الإنتاج من خلال ابتكار وإعادة ابتكار القيمة. إنه عمل من أجل تحويل الفكر إلى منتجات ومعالجة مشكلة بحجم استهلاكنا للنفط بسبب استهلاكنا الهائل للطاقة في الصيف، يمكن أن نواجهها كما أشرنا بالابتكار والتطوير المستمر لمنتجات جديدة، أما في جانب ارتباط النفط بالكهرباء كأن نقدم طاقة كهربائية تستهلك نفطا أقل أو منتجات تبريد تستهلك طاقة كهربائية أقل، أو ابتكار أجهزة تبريد تستخدم أساليب مختلفة من الطاقة كالطاقة الشمسية. واقتصاد المعرفة يتطلب منا اليوم توجيه الاستثمارات وتشجيع القطاع الخاص وجذب العقول والمبتكرين نحو هذه المشكلة، وعند حلها ــ بإذن الله ــ فإننا سننتقل بفضل هذه الاستثمارات إلى حقبة اقتصادية جديدة، ذلك أنه لحل مشكلة بحجم استهلاكنا للنفط في مجال الكهرباء أو استهلاك الكهرباء في جانب التبريد فإننا سننتج قيمة جديدة تماما تعادل قيمة إنتاج النفط مع الابتكارات الجديدة وسنكون نحن من يتملك كل حقوقها وبذلك نتمكن من احتكارها وتحقيق عوائد اقتصادية غير عادية، إضافة إلى أن هذا التوجه سيقدم فرص عمل كثيرة في المجتمع ويحقق قفزة اقتصادية غير مسبوقة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي