استراتيجية الهيمنة وخطورتها في المفاوضات
غالبا ما تتبع مشاهد المفاوضات في أفلام هوليوود شكلا تقليديا، حيث نرى دائما وجود طرف أقوى أو أكثر ذكاء، يفوز في النهاية على حساب الطرف الآخر. تركز هذه النوعية من الدراما ذات الطابع القتالي على جعل الأمور أكثر عاطفية والغاية منها التسلية. ولكن في معظم الحالات، لا يمكن انتهاج الأسلوب الذي تعرضه الأفلام الهوليودية، فالهدف منها ليس تعليميا.
يلخص هاريسون فورد أخطاء اتباع هذا النهج في فيلم وثائقي. وقد تسنى لي أن أشاهده أخيرا على موقع يوتيوب، في محاولته لاكتشاف أسباب تدمير البيئة في الفيلم الذي تجري أحداثه في الحديقة الوطنية في إندونيسيا " تيسو نيلو" الشهيرة.
كانت نوايا فورد طيبة، فهو يسعى لحماية الغابات حول العالم، وقد كرس وقته لجعلها قضية تهم العامة. وهناك عديد من الأمور الأخرى التي تجعلني شخصيا أقدر كثيرا سعيه لتحقيق ذلك. ولكن على ما يبدو فإن فورد لم يتلق تدريبا خاصا بمهارة التفاوض، فعلى الرغم من امتلاكه الدوافع اللازمة للدفاع عن هذه القضية، إلا أنه لم ينجح كثيرا في استخدامها خلال مقابلته مع وزير الغابات الإندونيسي.
قبل تسليط الضوء على خطأ فورد الأول وهو " الافتراضات"، اسمحوا لي أن أعترف بأننا نقع هنا في الخطأ نفسه أيضا. فنحن نفترض أن المقابلة عرضت كاملة ولم يتم اجتزاؤها لإعطائها التأثير المطلوب. وسنستخدمها كنموذج لدراسة حالات الإقصاء كهفوة في عملية التفاوض، وكيفية تجنبها بدلا من التركيز على نقد نهج التفاوض الذي اتبعه فورد.
أولا، كان سلاح فورد خلال عملية التفاوض مجرد افتراضات بنى عليها قضيته. فبعد أن أمضى مجرد "أسابيع قليلة" في إندونيسيا لرؤية الضرر البيئي الذي لحق بتيسو نيلو، بسبب قطع الأشجار بشكل غير قانوني وتطهير الأرض بهدف زراعة المحاصيل، ومزارع زيت النخيل والمستوطنات، كان يبدو جليا في نظره أن وزارة الغابات الإندونيسية هي الجهة المسؤولة عن هذه الممارسات. أظهر فورد انزعاجه عند لقائه وزير الغابات الإندونيسي وجلس وقال: "لقد تنقلنا في جميع أنحاء البلاد خلال الأسبوعين الماضيين. ولدينا بعض الأسئلة نرغب في أن نطرحها عليكم". وهنا كشفت ملامح الوزير عن توتره، وهو أمر متوقع نظرا لكونه تحت عدسة الكاميرات ولوجود أحد مشاهير هوليوود، كما كان في الموقع الأضعف (فهو بالفعل كان في موقع اتهام)، وبالتالي لم تكن لديه حرية كبيرة للتفاوض.
فالمحاور الجيد ينبغي أن يحصل على موافقة الطرف الآخر بوضعه "تحت الضوء" ولا يعتبر ذلك مطلوبا أثناء عملية التفاوض. ولكن فورد لم يكن كذلك. كان هدفه يتمحور حول تأكيد افتراضاته، وليس إيجاد حلول لها. وكان بإمكانه الاستفادة من كونه أحد نجوم هوليوود للوصول وفتح قناة التفاوض، ليخسر فرصته في النهاية بسبب اتباعه نهجا خاطئا.
كان يمكن أن يكون أكثر تحديدا، ويوجد شعورا بالإيجابية. فعلى سبيل المثال كان بإمكانه مخاطبة الوزير قائلا: "لطف منك أن تمنح وقتك لشخص أجنبي على الرغم من جدولك المزدحم. وأجزم بأنك قمت بذلك لأنك تولي القضايا البيئية اهتماما كبيرا على غرارنا، ونود أن نعمل سويا لإيجاد السبل الممكنة لتحسينها".
انتقل فورد من الخصومة إلى العدوانية بسرعة كبيرة (وذلك على افتراض أن المقابلة المعروضة غير مجتزأة). حيث استهل المقابلة بتصريح عوضا عن طرح الأسئلة "في السنوات الـ 15 الماضية، تم استغلال ما يعادل 80 في المائة من مساحة غابات تيسو نيلو لأعمال تجارية. وعند استطلاعنا لرأي العامة عن سبب حدوث ذلك، أجابوا بأن هناك علاقة وثيقة بين عالم الأعمال والسياسة في هذا البلد". قد يكون هذا التصريح صحيحا، ولكن لو كنت في مكان الطرف الآخر لتسأل : "أين تريد أن تصل؟ أخشى أنك تريد إلقاء اللوم علي عن جميع المشاكل البيئية في بلدي وأمام الكاميرات. يجب أن أكون أكثر حذرا من الآن فصاعدا لتجنب إظهاري أو حكومة بلدي بمظهر سيئ. سأقوم بإنكار جميع الاهتمامات وسأدافع عن نفسي ". آثار فورد بتصريحه المشبوه مقاومة محتملة من الطرف الآخر، وقام بتأطير المفاوضات بسلسلة من المطالب والاتهامات، وبالتالي أقفل حظوظه في إحداث مشاركة أو تعاون بين الطرفين.
أجاب الوزير وهو يمد يده إلى فورد مصافحا "قد يكون ذلك صحيحا. أنت تعرف أننا قد تحولنا إلى بلد ديمقراطي حديثا. وفي اعتقادي سنكون قادرين على تحقيق التوازن مع مرور الوقت".
بجوابه هذا أبدى انفتاحه على تقبل الاقتراحات لتحسين الوضع، مع الاعتراف بأن التغييرات تستغرق وقتا. وكان من الملاحظ أنه تجنب من غير قصد أو عمدا طرح أسئلة عدائية مثل "ما هو حجم الأخطاء البيئية والإنسانية التي ارتكبتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأولى من تحولها للديمقراطية؟" أو "ماذا عن العلاقة بين الأعمال والسياسة في بلدك، سيد فورد؟"
انتقل فورد مباشرة إلى سؤاله الثاني بدلا من تقبل إجابة الوزير وإظهار نوع من التقدير كون التغيير يستغرق وقتا، "هناك مشروع يهدف للحفاظ على الغابات لا يزال ينتظر الحصول على الموافقة منذ عدة سنوات، وإمضاؤكم عليه يعتبر المرحلة الأخيرة سيدي. فهل ستقوم بالتوقيع على المشروع الذي من شأنه الحفاظ على هذا المورد الطبيعي المهم؟ ". كان يتعين على فورد أن يعلق على إجابة الوزير السابقة ويشاركه الرأي بأنه موجود هناك لهذا الهدف ومعرفة ما إذا كان باستطاعته المساعدة على تحقيق هذا التوازن في الأمور المتعلقة بالبيئة. ولكن كان جليا أن التوافق بينهما معدوم بحيث أصبح الطرفان على النقيض في المواجهة الدائرة.
بدأ فورد في الضغط عليه للموافقة على منح الحماية لـ 50 في المائة من مساحة الغابات، الذي كان بمثابة البداية لتدهور الحوار بينهما.
ثم سأل عن الخطوات التي قام بها الوزير لمعالجة هذه المشكلة. حاول الوزير مرة أخرى أن يشرح التحديات بقوله "نواجه عديدا من التحديات كل يوم، فبلدنا تختلف عن أمريكا. فقد بدأنا للتو في عمليات الإصلاح ". بدا الغضب على فورد وهو يرد عليه "لذلك فأنتم على استعداد لخسارة المعركة؟" اتسعت الفجوة بين الاثنين ودخلت مسألة التفاوض في دوامة. هنا كان بإمكاننا التنبؤ وفقا لمجريات الأحداث بأن النهاية وشيكة ولا أمل في عقد صفقة بين الطرفين. أومأ الوزير بعدها وأجاب "نعم"، مع ضحكة تنم عن مزاجه السيئ، وكان واضحا أن الوزير استسلم أمام استجواب فورد، وعلى الأرجح أنه أصبح عصبي المزاج الآن إذا لم يكن كذلك قبلا.