حين يلتقي الأعداء على جسر واحد
"سيكرهني الجميع. لكنني على الأقل سأخسر". تلك العبارة التهكمية نطق بها جايمس دونوفان المحامي المختص بالتأمينات ليعكس توقعاته خوض معركة خاسرة، بموافقته طلبا عسيرا من حكومته للدفاع عن الجاسوس السوفياتي رودلف أبل، بعد أن تم احتجازه ومحاكمته في الولايات المتحدة إبان الحرب البادرة. وذلك في الفيلم الأمريكي الدرامي الشيق "جسر الجواسيس"، الذي أخرجه الأمريكي الاستثنائي ستيفن سبيلبرج لعام 2015. تميزت أعماله منذ دخوله لعالم الأفلام السينمائية في السبعينيات بإخراجها السينمائي المختلف، واستخدامه مؤثرات بصرية وصوتية ضخمة. وكأفلامه الأخرى حمل فيلم "جسر الجواسيس" ذات الخصائص التي يختارها كثيمة في أفلامه، فهو يتحدث عن شخص اعتيادي يواجه بظروف مباغتة، وهو يعكس اعتقاد سبيلبرج بأنه كائن غريب في صغره. وذلك يأتي من تأثره من مخالطة والده الذي يهوى أعمال الخيال العلمي. في الفيلم الأخير يحارب دونوفان العالم لتبرئة الجاسوس السوفياتي دون رغبة بمعرفة إن كان يستحق فعلا القبض عليه. إذ يقول بثقة: "لا يهم ما يعتقده الآخرون. أنت تعلم ما قمت به".
تدور أحداث الفيلم في الحقبة من عام 1957 وحتى 1962، ليحمل أسلوب إثارة بطريقة حرفية ذكية، نجح من خلالها توم هانكس بأدائه دور المحامي جايمس بالتعاضد مع سبيلبرج والخروج بفيلم مميز. ترشح الفيلم "جسر الجواسيس" لست جوائز للأوسكار" تضمنت جائزة أفضل صورة وأفضل ممثل مساند.
تتشابه شخصية المحامي جايمس الفيلم مع شخصية المحامي أتيكس فينش في الرواية الشهيرة "قتل الطائر المحاكي"، الذي يدافع فيه عن حقوق رجل أسود يحاكم وتواجهه العنصرية والحكم المسبق عليه. وفي كلا العملين يواجه البطل باتهامات قاسية الموجهة بخيانة وطنه، بدفاعه عن جاسوس سوفياتي. تلك الحقوق المدنية التي يفخر بها الأمريكيون، هي ذاتها التي يعالجها الفيلم وإن كانت في ظروف مختلفة، إلا أنها في المغمار نفسه الذي يواجه فيه المتهم مجتمعا ومحكمة وقاضيا متعصبا لرأيه، اختار له حكما مسبقا قبل معرفة حيثيات القضية بسبب عنصرية تجاهه، فهو ينتمي لدولة تعد محورا ينافي المبادئ الأمريكية. إلا أن ذلك لا يؤثر في المتهم رودلف، صاحب الملامح المتغضنة والنظرة اللامبالية التهكمية، والصمت المطبق. وقد ترشح عبر هذا الفيلم الممثل البريطاني مارك رايلنس جائزة أفضل ممثل مساند. يبدي المحامي تعجبه بقوله: "لا يبدو عليك القلق". ليسأله رودلف دون اكتراث: "هل سيساعد ذلك بشيء؟"
#2#
الفيلم يدخل في تفاصيل عدة قضايا بموضوعية بعيدة عن العاطفة. يبرز دور القلق الاجتماعي الذي يواجهه المحامي جايمس نتيجة موافقته على القضية، والضغوطات التي يواجهها بدءا بنظرات الاتهام الموجهة إليه في كل مكان، ومن ثم ودون توقعه تصل به إلى حد التهديدات والاقتراب من باب منزله. الفيلم يقفز من أحداث تركز على حقوق الإنسان، ليستحيل فيما بعد إثر حادثة إسقاط طائرة تجسس أمريكية واحتجاز أمريكيين، إلى فيلم إثارة وترقب في برلين الشرقية، ليصور العمل الاستخباراتي والغموض الذي يكتنفه، والمفاوضات الصعبة بين دول ثلاثة لعملية تبادل محتجزين متهمين بتورطهم بالجاسوسية خلال الحرب الباردة حيث تتوتر العلاقات.
الإخراج السينمائي بديع، يركز على المحيط، بألوان شاحبة وجو شتوي كئيب يعكس حقبة الحرب الباردة. تتنقل الأحداث ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبرلين الشرقية. إلا أن جميع تلك المناطق يكتنفها البرد القارس والثلوج. وقد تم تصوير الفيلم في أحياء مختلفة في نيويورك بحرفية تظهر خصائص كل دولة في تلك الفترة. فيما تسود الأزياء الكلاسيكية ذات الألوان القاتمة لتعكس الحقبة الزمنية لنهاية الخمسينيات.
وإذا ما كان الفيلم ينقل أجواء الحرب الباردة والقلق حيال سياسات الدول. إلا أنه يوحي بنوع من التمجيد للنظام الأمريكي ومقارنته بالأنظمة الأخرى السوفياتية والألمانية إبان الحرب الباردة. إذ يظهر في تلك الفترة تعرض مواطنو برلين الشرقية إلى الاضطهاد والقسوة المتمازجة مع البرد القارس. والاستمرار في تمجيد البطل الأمريكي، الذي لا يهاب ما حوله، حتى في بلد آخر. فيما لا يخشى تبني قضية جاسوس روسي إلى الحد الذي جعله يطور هذه القضية ويناقش الدستور بسببها. ومناقشة الدستور الذي يحمي حقوق المواطن الأمريكي، الذي يعتز به الأمريكيون، فهو لا يحمي فقط حقوق مواطنيه، وإنما الأجانب إن أجيد استخدامه. حتى إن الجدل حول مساعدة شخص بالدفاع عنه يعد عدوا أو جاسوسا للوطن. وكعنوان الفيلم "جسر الجواسيس" الذي اختير ليكشف عن مفرق طرق، يظهر الجسر الموجود في برلين الشرقية كمكان بعيد عن التوتر الأمريكي السوفياتي إلى حد ما، ليلتقي فيه الجواسيس المعتقلون، من قبل السلطات الأمريكية والسوفياتية، في نقطة تجمع بين خصمين في محاولة لإيجاد نوع من السلام بين فكرين مختلفين ودولتين تواجهان توترا واضطرابا.