الأدب الحق اندماج بين جسد الكاتب ولغته الأم

الأدب الحق اندماج بين جسد الكاتب ولغته الأم

على عكس ما يحدث في جل الأنشطة الإنسانية، يبقى من الصعب العثور على تعريف حقيقي، جامع مانع للأدب، بيد أن لانعكاس الأدب على المجتمع والوجود عامة، كبير أثر على الإنسان، الأدب فلسفة عميقة تتغير وتغير سيرورة التاريخ، في هذا الحوار يؤكد المفكر العالمي رولان بارت أن للأدب قوة كبيرة جدا، وأنه ليس من الترف بمكان بقدر ما يحمل بين تضاعيفه عوالم تلخص وجود الإنسان سواء في علاقاته المباشرة من الذات، أو في علاقاته غير المباشرة مع المواضيع، في المقابل وإن تم إجراء هذا الحوار ـ الذي أجراه هنري تيسو وترجمه للعربية الباحث هادي معزوز ـ بعد عشرات السنين من اليوم وتحديدا سنة 1975 إلا أن راهنيته ما زالت تلقي بظلالها على الفضاء الأدبي.

فيما يختلف الأدب عن باقي أجناس التعبير الكتابي؟
بداية توجب اعتبار أن سؤال: "ما الأدب؟" لم تتم صياغته إلا ابتداءً من مرحلة قريبة نسبيا، والحال أنه في ثقافتنا الغربية أنشئ الأدب منذ مدة ليست بالقصيرة دون أن يقدم لنا في الحقيقة نظرية في الأدب، أي نظرية في الأدب ككينونة، وهو ما كان حدوثه بالخصوص في فرنسا، من ثمة فقد كان القرن التاسع عشر قرنا كبيرا بخصوص التقدم العلمي، أي فيما يتعلق بعلوم الإنسان والعلوم الاجتماعية، لكن ومع الأسف نتباين فيما بيننا إذا أمكنني الحديث عن قصورنا النظري حول مشكلة الأدب، وتأكيدا فقد كانت هناك حركة تحليل الأعمال الأدبية، لكن لا أحد طرح بحق هذا الأمر كمشكلة لفلسفة الأدب، وبشكل أقل وطأة مقارنة بسؤال النقد العلمي، ففي فرنسا لم يكن لدينا ما يعادل التركيب الكبير الذي عرفته الفلسفة والتاريخ، أي ذاك الذي تم تكونه مع هيجل في ألمانيا، بخصوص اختلافات أجناس الفن. والحق أن مثيل هذا السؤال يعتبر قريبا بشكل نسبي، لقد طُرح هذا الأمر اليوم بشكل نظري وبحدة كبيرة، خصوصا في الأعمال والنصوص الطليعية، إن الأمر يتعلق بوضع الفعل الأدبي في علاقة مع كبريات الأنظمة المعرفية الجديدة للعلوم الإنسانية، ومن بينها على سبيل المثال النقد السياسي أو التحليل النفسي، على العموم ومنذ أن وجدت هاته البيئة العلمية شرعنا في طرح سؤال: "ما الأدب؟"

ما العلاقة التي تربط بين الأدب وباقي أشكال التعبير؟ بل هل يمكن اعتبار الأدب نفسه شكلا فنيا؟
إذا قبلنا تقديم ولو بشكل مؤقت إجابة تقليدية، يمكن القول قطعا إن الإبداع الأدبي هو بمثابة احتجاج بشكل فني، على غرار باقي الأشكال الأخرى كالرسم والنحث والموسيقى ثم السينما حاليا، مع ذلك فالأدب شكل تعبيري فني يأخذ مساره عن طريق علامات بشكل دقيق جدا، وهي ليست إلا الكتابة، هنا توجد نقطة مهمة مفادها بأن الأدب ظاهرة مكتوبة بالضرورة، وإن كانت عديد البلدان تملك أدبا شفهيا، أما بالنسبة عندنا كغربيين فالأدب وقبل كل شيء يمكن اعتباره موضوعا مكتوبا.

في الأدب يبدو أن هناك غموضا بين العمق والشكل، وهي الحالة التي لا نعثر عليها في الموسيقى على سبيل المثال؟
هذا الغموض يوجد على المقاس، حيث إن الأدب أسس على مجموع رسائل معروضة بشكل خاص، إن الرسالة تنقل أفكارا، ومشاعر وأشياء خلابة كما قلنا في مرة سابقة، ولكن الآن فإن للأدب شكلا محددا ألا وهو النظام الإستطيقي.. بدون شكل لن يكون هناك أدب! وحق المؤلف لن يحمي إلا الشكل. الشكل هو بحق العلامة الإديولكتالية، إنه الأثر الفردي للكاتب على المؤلَّف

"الأسلوب هو الرجل" اليوم هل نحن نوجد في مقياس إعطاء تعريف دقيق جدا حول ما هو الأسلوب؟
منذ 50 سنة، كانت هناك محاولات من أجل التأسيس لعلم يعنى بالأسلوب، أي الأسلوبية، وهي طريقة تدرس بشكل علمي أسلوب الكتاب، يجب الاعتراف أنه حتى الساعة عرفت هاته المحاولات فشلا، والحال أنه توجد عديد من الأسلوبيات، لكن لا واحدة منها مقنعة، وعليه فإن هذا العلم ما زال يبحث عن نفسه، الأسلوب فعل لا يمكن إنكاره، بيد أن الطريقة لتعريف هاته الظاهرة بشكل موضوعي وفق معايير علمية تبدو صعبة بشكل كبير.
والواقع أن واحدة من هاته المحاولات الأخيرة للأسلوبية اعتبرت جدية وذكية ومهمة، وهي التي تمت تنميتها عن طريق عالمة أمريكية ذات أصول فرنسية، والتي ليس إلا ريفاتير riffaterre إنها عالمة أسلوب تسلم بوجود صنف للسان ما ـ مثال اللسان الفرنسي ـ عادي، مألوف، في خدمة نموذج من معيار ما، فالأمر إذن يتعلق بتقييم التواءات الفم الموضوعة من قبل كل كاتب حول هذا النموذج، من ثمة فإن الأسلوبية تعرف بعلم التباعدات، وهو ما جعلها اليوم أمرا متنازعا عليه بشكل كبير، وذلك لأسباب فلسفية أكثر مما هي علمية، إن أمر إعطاء وظيفة متفوقة إلى طريقة كون أن أكثر عدد من الناس يستعملون اللغة، ليس معيارا علميا كافيا.

كيف حدث تطور الأجناس الأدبية التي رمزت من طرف الشعراء التسعة في الميثولوجيا الإغريقية؟
يمكن أن أقول لك بدون الركون إلى جواب واحد بعينه، إنه منذ 2500 سنة أي منذ اليونان القديمة، مرت الأجناس الأدبية المختلفة من مراحل النمط، أو التدهور، أو النهضة.. بيد أن الفعل الأدبي بقي ثابتا، لقد كانت دوما الأجناس أدبية حاضرة، وهو ما يدل وإلى يومنا هذا كون أن الأدب لم ينقطع أبدا عن أن ينقسم وفق إطار محدد بدقة (...) إن الجدران التي نصبت نفسها بين تنوعات الأجناس الأدبية، لهي سائرة نحو السقوط لا محالة، وهي الحالة التي عرفتها بعض الأعمال النادرة في الماضي، لكنها باتت ابتداءً من اليوم حركة عامة للبحث.
هل يمكن القول إن الأدب لغة اجتماعية، وهل من علاقة بين الأدب والمجتمع؟
الأدب مخترَقٌ في السلوك الاجتماعي، والحال أن أدواته تأتي بالضرورة من المجتمع، من تاريخ المجتمع، إنه لمن غير المتخيل كتابة أي نص دون حدث ما، حيث لا يمكن للتاريخ أن يمر من هذا النص، وإن كان للمجتمع انقساماته وصراعاته ومشاكله، لكن ومع ذلك فإن لديكم دوما هاته الوساطة حول الشكل، الذي من خلاله لن يكون أبدا للعمل الأدبي أي انعكاس خالص وبسيط للمجتمع، إن هناك ظواهر مدوية تسعى إلى تعديل المسارات، والحق أنه لمن الصعب تحليل عمل أدبي بمفاهيمه الخالصة المنعكسة، مادام هذا الأمر غير قابل للالتحام، بيد أنه في الوقت نفسه يبقى التاريخ حاضرا، إنه دراسة هذا النوع من الغموض، أي للحضور الغائب للمجتمع في الأدب، الذي يبني حقلا امتيازيا لكل نشاط أدبي.

لقد أصبح الأدب عالميا والحق أن هاته العالمية بدأت تثير مشكل الترجمة؟
الصعوبة تأتي من مسألة أن اللسان مندمج بعمق في التطبيق الأدبي، لكن ما هو مندمج في التطبيق الأدبي هو اللغة الأم، توجد هناك علاقة بين الكاتب ولغته الأم، حيث تعد الترجمات هنا ضرورية بشكل مطلق، ولكنها في نهاية الأمر تبقى غير كافية. إذا كان نص ما أدبيا بوجه حق، فإنه يدمج علاقة بين جسد الكاتب واللغة الأم التي لا يمكنها المرور من الترجمة، عندما نقرأ أعمالا أدبية مترجمة فإننا نتواصل مع كون ما، لكنه ليس الكون الضروري لهذا العمل، أي اللسان.

الأكثر قراءة