الاستثمار الأجنبي طريقه الاندماج والاستحواذ
في عالم يتخطى الحدود الجغرافية السياسية ليقوم ببناء نماذج جغرافية اقتصادية خاصة، يلعب الاستثمار الأجنبي المباشر - أهم أنواع تدفقات رأس المال ـــ كرأس الحربة في صناعة التكتلات الاقتصادية الحديثة، وفي هذا الإطار بالذات فإن العالم في جانبه الاقتصادي يقسم ذاته إلى ثلاث كتل رئيسة وهي البلدان النامية في آسيا، ودول الاتحاد الأوروبي، وأمريكا الشمالية، وسيكون على أي دولة في العالم أن تتقارب مع هذه الكتل من أجل أن تحقق نموا في تدفقات الاستثمار المباشر، وذلك بأن تقتفي أثرها، فقد تجاوزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية في آسيا نصف تريليون دولار وذلك وفقا لمنظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، كما تلقى الاتحاد الأوروبي مبلغ 426 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر، والولايات المتحدة، 384 مليار دولار، وبينما حصلت أمريكا اللاتينية على مبلغ 151 مليارا فقط تهاوت دول إفريقيا إلى 39 مليارا فقط. من الواضح أن التقسيم الذي يفرضه الاستثمار المباشر يعكس حقائق اقتصادية وسياسية، ولعل الجانب السياسي يرتكز على الاستقرار والنهج الديمقراطي الذي تنتهجه الدول، ولهذا لم تستطع دول إفريقيا أن تفوز بنصيب كبير من كعكة الاستثمارات الأجنبية وذلك للأوضاع السياسية المضطربة هناك، لكن المسألة لا تعود فقط إلى مسألة الاستقرار السياسي، بل إن عامل توافر الفرص الاستثمارية هو الفيصل في مسألة حجم التدفقات من الاستثمارات الأجنبية، فقد كانت مبيعات الاندماج والاستحواذ هي المحرك الأساس في تفضيلات المستثمرين حول العالم، حيث أظهر التقرير السنوي لـ "أونكتاد"، أن نمو الاستثمار الأجنبي المباشر لمصلحة الكتل الثلاث يعود أساسا إلى عمليات الاندماج والاستحواذ عبر الحدود، مع مساهمة محدودة فقط من مشاريع الاستثمار التأسيسي في الأصول الإنتاجية. فالمشاركة في عمليات البنى التحتية وبناء الأصول المعمرة لم تعد خيارا مفضلا للمستثمرين، وهذا يفسر أيضا لماذا توجهت الاستثمارات إلى دول استقرت بناها التحتية وأصولها الإنتاجية، وترغب اليوم في الاندماج للوصول إلى أسواق جديدة لتعزيز قدراتها التنافسية. من المهم قراءة كل هذه التوجهات والخيارات من أجل اتخاذ قرارات استراتيجية حول توجهاتنا لجذب الاستثمارات الأجنبية للمملكة.
فمقارنة بدول العالم ما زالت المملكة بعيدة عن الفوز بنصيب كبير في الاستثمارات الأجنبية، فنحن لم نحقق سوى 7.5 مليار دولار خلال عام 2015 مقارنة بهونج كونج (الصين)، التي سجلت تدفقات استثمارية بلغت 163 مليار دولار ـــ كثاني أكبر متلق في العالم ـــ وهي المرة الأولى التي تسجل فيها مثل هذا الرقم، ولتصبح بذلك أكبر متلق للاستثمار الأجنبي المباشر في آسيا. ومرة أخرى يعود السبب إلى وجود أرضية اقتصادية صلبة لهونج كونج مكنتها من تقديم شركات قابلة للاندماج وتحفز المستثمرين على الاستحواذ. وهذه هي الحقيقة التي تجب مواجهتها، فوجود قاعدة واسعة من خيارات الاستحواذ والاندماج لتعزيز المنافسة هو الذي يحرك الاستثمارات حول العالم اليوم، ولهذا أيضا ورغم أن التدفقات الاستثمارية الأجنبية للمملكة قد حققت تراجعا بنسبة 4.8 في المائة، إلا أنها (وهنا المقارنة) قد حققت نموا في مبيعات الاندماج والاستحواذ بنسبة 300 في المائة في 2015. فالمملكة يجب ألا تعتمد على مشاركة الاستثمار الأجنبي في البنية التحتية وفي تأسيس الشركات وبناء الأصول الإنتاجية، وإنما عليها أن تقدم نماذج للمشاركة والاندماج تمكن الشركات السعودية من الوصول السهل إلى الأسواق العالمية، ولدينا في المملكة الكثير من هذا النمط من الشركات التي تحتاج اليوم فقط إلى أن تغير نمطها في الأعمال وأن تقتحم الأسواق العالمية من خلال اندماجها مع الشركات العالمية العابرة للقارات، لكن نحتاج اليوم إلى تحول كبير في سوق المال من خلال تحول الكثير من الشركات العائلية إلى شركات مساهمة في المقام الأول لأن مثل هذا التوجه سيسهم في إيجاد مؤسسات وكيانات قابلة للاندماج مع مؤسسات عالمية.