في زمن الإنترنت .. «ليس صديقا من هو صديق للجميع»

في زمن الإنترنت .. «ليس صديقا من هو صديق للجميع»
في زمن الإنترنت .. «ليس صديقا من هو صديق للجميع»

معنى الصداقة في زمن "فيسبوك، تويتر، تامبلر، إنستاجرام ولينكلدن .." أو غيرها. هل أصدقائي المائة أو الألف أو الخمسة آلاف فعلا أصدقاء؟ ولفهم هذا الأمر من الضرورة بمكان محاولة فهم ثقافة هذا الزمن من واقع أنه امتداد لأزمان الأزمات. تقول عالمة السياسة والفيلسوفة الألمانية حنة أرندت (Hannah Arendt) في النسخة الفرنسية لكتابها أزمة الثقافة (la crise de la culture) الصادر عام 1972- النسخة الأصلية بالإنجليزية صدرت سنة 1954: "نحن لسنا إلا معتادين على هذا النوع من التفجّرات الدورية للسخط المتقد والانفعالي، الذي يوجه ضد العقل والفكر والخطاب العقلاني كردات فعل طبيعية كما يعرف الناس عبر تجاربهم الخاصة، كون الفكر والواقع قد انفصلا عن بعضهما بعضا، وأن الواقع أمسى داكنا لا ينفذه نور الفكر، وأن الفكر، الذي ما عاد مرتبطا بالحدث كارتباط الدائرة بنقطتها المركزية، بات مكرها إما على التخلي نهائيا عن معناه، وإما على استثارة حقائق قديمة بالية لا ملاءمة فيها".

#2#

يعود تاريخ كتابة هذه الأفكار إلى أزيد من نصف قرن في محاولة من هذه المفكرة لتشخيص واقع الأزمات التي تحيط بالإنسانية، تشخيصا دقيقا يضع الأصبع على مكمن الداء بقولها إن: "الفكر والواقع قد انفصلا عن بعضهما بعضا"، فالأزمات تتوالي تباعا، وعلى كل الأصعدة دون أن تنبلج في الأفق بوادر الانفراج بسبب التفاوت الحاصل بين تنظيرات الفكر وممارسات الواقع؛ بل نكاد نجزم أن هذه الأخيرة (الممارسة) تكون سباقة ومتجاوزة للأولى (التنظيرات) التي تسعى دائما للحاق بها، لكن يبدو أنها اليوم في حالة أشبه ما تكون بالعجز التام.

وهذا ما عبر عنه الفرنسيون بصيغتهم الخاصة في مثل قديم يقول: "مادام الواقع يتحرك فالمفاهيم كذلك تتحرك معه"، قد يبدو هذا القول المأثور في بادئ الأمر من سرياليات النزعة التفكيكية لبهلوانيات خطاب ما بعد الحداثة – لكن أصوله تُثبت انتماءه إلى كلاسيكيات التراث الفرنسي- لما يلفه من غموض والتباس، بيد أن نظرة ثاقبة ورؤية عميقة في المتغيرات من حولنا تذهبان بنا نحو تأكيد مضمون المثل وإثبات ما ذهب إليه تلك المفكرة الألمانية الفذة.
غير بعيد وتأكيدا لما سبق ننتقي بعض مظاهر الأزمة الخانفة التي تحيط بنا بغية إظهار المأزق الذي يهدد الفكر الإنساني المعاصر، وعليه نتساءل سؤالا قد يبدو تافها - وقد تساءل آخرون قبلنا السؤال ذاته- لكنه عميق ومؤرق في الوقت ذاته: ما المعرفة اليوم؟ ما العلم؟ بـ"ال" للتعريف دون زيادة أي وصف آخر؛ أي قيمة لفرد بمقدوره أن يستظهر موسوعة من المعلومات في الوقت الحالي؟ ويكرر على أسماعنا أسطوانة كاملة من المعارف، أليست مواقع البحث في شبكة الإنترنت أسرع منا جميعا في تقديم تلك المعلومات على طبق من ذهب؟

تاريخا كان هذا الموضوع حاشية على متن السجال الابستمولوجي، المحتدم داخل الأوساط البحثية الأنجلوساكسونية بالخصوص، منذ آخر ثلاثة عقود من القرن الماضي. ونشير إلى أسماء من طينة روبرت كشوب "تحليل المعرفة" (1983) وليندا زاغزيبسكي "ما هي المعرفة" (1999) ودنكان بريتشارد "ما المعرفة (2010).

لكنه اليوم، وبالتزامن مع فورة التكنولوجيا، بات يحاصرنا الموضوع حتى صرنا لا نهرب منه إلا إليه متذرعين بشتى الذرائع إلا الحقيقة التي هي أننا بحاجة إلى تجديد الرؤية في مفاهيمنا المعاصرة أو بتعبير أحدهم استبدال نظّارات رؤية العالم اليوم بأخرى جديدة.

قد يكون هذا القول وفي هذا الموضوع بالذات أي المعرفة محط شك وريبة لدى البعض، لكن ليُجِب المشككون عن معنى مفهوم الملكية - مفهوم إشكالي على شاكلة سابقه- بصيغة أكثر وضوحا وتقريبا للأذهان، نقول معنى ملكية نسخة من كتاب في صيغة إلكترونية اليوم؟ صحيح، أنه في السابق حين تنتقل الملكية من شخص إلى آخر تنتقل معه الحيازة؛ فتنعدم بين يدي الشخص الأول لتصير متاحة ومتعيّنة أمام الثاني، إلا أن الأمر ليس كذلك الآن؛ فبإمكاني أن أرسل نسخا من رواية أو كتاب أتوفر عليها - ضمن خزانة كتبي الإلكترونية على الحاسوب- إلى صديق لي في الشرق الأوسط، وآخر في أمريكا الشمالية وثالث في أعماق إفريقيا دون أن تنعدم عندي، ولا أن ينقص شيء من كتب خزانتي، لكن على النقيض من ذلك يضاف كتاب إلى خزانة هؤلاء الأصدقاء.

وحتى نقطع الشك باليقين، نعود لسؤالنا المطروح بداية، خصوصا نحن نعيش في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، فنتساءل عن معنى الصداقة في زمن "فيسبوك، تويتر، تامبلر، إنستاجرام ولينكلدن .." أو غيرها. هل أصدقائي المائة أو الألف أو الخمسة آلاف فعلا أصدقاء؟ أم أننا أبعد ما نكون عن الصداقة السيادية والمكتملة التي تحدث عنها مفكرون من طينة ميشيل مونتنييه في حديثه عن علاقته مع إتيين دي لابواسييه – الذي تولى نشر رسالة هذا الأخير الموسومة بالعبودية المختارة سنوات بعد وفاته- والتي كان يعبر عنها بقوله: "الصداقة التي أتحدث عنها غير قابلة للقسمة، كل واحد يمنح نفسه كاملة لصديقه لدرجة لا يبقى معها ما هو قابل للاقتسام في علاقة أخرى".

"لا يمكن لصداقة حقيقية أن تنتشر إلى ما لا نهاية" حسب الفيلسوف الفرنسي أندري كونت سبونفيل، الذي يذكرنا هنا بقولة لأرسطو: "ليس صديقًا من هو صديق للجميع"، لأن عند هؤلاء الفلاسفة وغيرهم تفترض الصداقة قدرا من الثقة، ومستوى من الإخلاص، ومنسوبا من الحميمية، وغير ما قليل من الوقت حتى تصبح مشتركة مع عشرات الأشخاص. فليس الصديق فقط شخصا أتكلم معه أو أكتب له، بل إنسان أمارس معه بعض الأنشطة المشتركة.. كيف نتصور إذن أنه بإمكان شاشة أن تكفي لكل هذا، وأن تقوم مقام كل ذلك؟
كانت تلكم مجرد أمثلة ليس إلا في لائحة لا تنتهي من المفاهيم المؤَشكلَة في واقعنا المعاصر (الحرب، الحدود، السلطة، السيادة ..) التي تجعلنا نتساءل ماذا كانت ستقول حنة أرندت لو كان بين ظهراننا اليوم في توصيف هذا الواقع؟

الأكثر قراءة