حتى لا ينقرض الأدب .. عودة «الناشر الأديب» مطلب ملح

حتى لا ينقرض الأدب .. عودة «الناشر الأديب» مطلب ملح

لطالما ارتبط تأسيس كثير من دور النشر عربيا ومحليا بأدباء ومثقفين مع استمرارهم في عطائهم الأدبي. فكانت لهم معاييرهم واشتراطاتهم الصارمة التي لا يحيدون عنها. قبل القبول بطباعة أي عمل ونشره. بينما نجد الأمر اليوم مختلفا كليا إذ تقوم المراسلة الإلكترونية والحوالة المالية. باختصار الكثير من الوقت والجهد. بما في ذلك قراءة مسودة العمل وتقييمها. لتغيب المعايير الأدبية وتتراجع القيم المهنية.

«هيبة» تتراجع
أن يتراجع القراء وأعدادهم في زمن تغيرت فيه أدوات التواصل والقراءة فهذا أمر مفهوم ولكن أن تتراجع ضوابط النشر ومعاييره. لتصبح دور النشر مجرد أوعية تجارية ومطبعية. تتنافس في استقطاب أكبر عدد من الراغبين في طباعة أعمالهم. فهذا هو الأمر الذي لا يمكن تبريره وفقا للمنتقدين.
دور النشر بأدبائها ومثقفيها القائمين عليها كانت في أزمنة ماضية المحطة الأولى التي يهابها الكاتب حين يقدم عمله. فالنقد والتعديل واردان والرفض أكثر من القبول. بينما يفقد اليوم كثير من دور النشر المحلية والعربية هيبته بحجة الضغوط الاقتصادية والمالية. والتحولات الطارئة على هذه الصناعة. "هذا ليس عذرا". يقول محمد الخبراني أديب ومؤرخ. إذ لم تكن دور النشر منذ انطلاقها في العالم العربي مصدرا للربح أو الإثراء. وكانت دائما متنفسا والتزاما للأدباء والمثقفين، بل بعض المؤسسات الحكومية التقدمية، الذين يريدون استنهاض المشهد الثقافي والاجتماعي عن طريق أعمال وترجمات ترتقي بالذائقة العامة.
أجواء ساعدت كثيرا في إثراء الساحة الأدبية بالكتب والكتّاب الجدد الذين شقوا طريقهم بعد جهد ومنافسات وسجالات أثمرت بدورها مشاريع أدبية على المستويين الشخصي والمعرفي. وفقا للخبراني.

خلط واضح
"الناشر الأديب" قد يكون شخصا وقد يكون مؤسسة. المهم أنه قيمة حقيقية يجب ألا يخلو منها وطن. كما يجب عدم الخلط بينها وبين وظيفة مسؤول الطباعة أو التسويق أو التوزيع. وبحسب الباحث لؤي القاضي. فناشر بمواصفات الأديب وذائقته هو ما يحتاج إليه المشهد الثقافي السعودي. لحفظ كثير من الأعمال. التي تزخر بها البلاد. ولتقديم أفكار وصور جديدة غير نمطية عن الأدب السعودي ورواده.
ويشيد القاضي من جهته، بدور دارة الملك عبد العزيز كجهة مؤسسية حكومية، وتميزها في حفظ وتقديم الكثير. في هذا الجانب مع الأمل بانبثاق مؤسسات مشابهة وموازية تعنى بالترجمات والدراسات والأبحاث. كما يشيد القاضي بدار "جداول" السعودية كجهة خاصة وأهلية تميزت بتقديم الكثير من السير لأعلام الأدب السعودي. إضافة إلى توثيق أحداث مهمة وطنيا وتاريخيا من خلال شهادات حية ومتنوعة.
أزمة الأدب خصوصا، والكتاب عموما، أزمة نشر وليست أزمة قارئ أو تحول في الوسائل والكيمياء، من ورق إلى إلكترون. هذا ما تؤكده تجارب سابقة ولاحقة. وأزمة النشر هذه في عمقها هي أزمة وعي. إذ أصبحت هذه المهنة ذات الشأن تاريخيا وأدبيا، مهنة من لا مهنة له. وهذا الإقبال يؤكد مردودها المعقول بما يكفي لتغطية التكاليف على الأقل. بعكس ما يحاول بعض الناشرين تصويره. لكسب المزيد من التعاطف.
في حين التعاطف يجب أن يكون بحسب كثيرين مع كتاب يستغلون من قبل دور النشر في تمرير أعمال لا ترقى لفكرة النشر بحد ذاتها. أو قراء يمارس عليهم تنميط معين عبر اختيارات وأنواع متكررة. يصنفها الناشر بوصفها "الأكثر مبيعا". حتى إن خلت من كثير من المضامين والمعايير الأدنى التي يجب توافرها لغويا وأدبيا.
يبقى أن أدب كل عصر مرآته، والأدباء هم نبضه. وهنا تبرز أهمية العناية بهذه الآداب، تدوينا وتوثيقا. كما تبرز الحاجة إلى ناشر بمواصفات مختلفة. يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. والحس الصحافي الاستقصائي على الحس التجاري المادي. ناشر بذائقة الفنان جماليا. وصرامة الباحث الغيور وطنيا ومنهجيا.

الأكثر قراءة