اللاجئون .. وأوروبا المتغيرة
أخذ أوروبا الحماس في التعاطي مع تدفق اللاجئين إليها قبل عام، وذلك من منطلق إظهار وجهها الإنساني، فضلا عن الالتزام بالاتفاقيات الدولية التي تلتزم البلدان الموقعة عليها باستقبال اللاجئين، ولا سيما أولئك الذين يأتون من مناطق النزاعات، والبلدان التي تشكل مخاطر على حياتهم. ورغم تفاوت الترحيب باللاجئين بين دولة وأخرى، إلا أن جميع بلدان أوروبا حرصت على ألا تدخل في نطاق الانتقادات والهجوم عليها من جانب المجتمع الدولي، خصوصا أن معظم اللاجئين الفارين إليها يأتون بالفعل من مناطق عامرة بالمخاطر والقتل والتدمير. وبعيدا عن بعض بلدان أوروبا الشرقية التي أظهرت وجها مروعا أحيانا للاجئين مثل بلغاريا والمجر والتشيك ومقدونيا، فإن بقية الدول الأوروبية، خصوصا تلك التي تتمتع بأوضاع اقتصادية جيدة، التزمت بكل الاتفاقات الدولية بهذا الخصوص.
غير أن الأمور في هذا المجال لا تبقى "سمنا على عسل". فالحكومات في البلدان المرحبة باللاجئين تتعرض أيضا لضغوط داخلية، ربما تؤثر فيها على الصعيد الانتخابي في مرحلة لاحقة. وهذه الحكومات تسعى للمواءمة بين التزاماتها الدولية ومشاعرها الإنسانية، ومتطلبات الساحة الداخلية على الصعيد السياسي. فألمانيا التي تصدرت قائمة الدول الأكثر ترحيبا باللاجئين، بدأت في التراجع في زخم إقبالها عليهم. وكذلك فعلت دول مثل النمسا والدنمارك والسويد. وكلها دول تحظى بسمعة راقية في مجال رعاية اللاجئين والمهاجرين بشكل عام. يضاف إلى ذلك، أن الجهات الرافضة للاجئين في البلدان الأوروبية، تستغل بصورة كبيرة بعض المخالفات التي يقوم بها بعض اللاجئين، وكذلك انضمام لاجئين من بلدان لا تنطبق عليهم قوانين اللجوء. هؤلاء في الواقع يبحثون عن حياة أفضل، وليسوا هاربين من المخاطر.
بدأ التدقيق في هويات اللاجئين بصورة محكمة، وسن القوانين الجديدة التي تضبط اللجوء بما في ذلك المساعدات والمعونات الاجتماعية التي توفرها الحكومات لهم. ومن بين هذه الإجراءات، تلك المتعلقة بفرض ضرائب على اللاجئين الذين يعملون في بلدان اللجوء نفسها، حتى ولو كانت مداخيلهم منخفضة، بل حددت سقفا يصل إلى عشر سنوات لتقاضي هذا النوع من الضرائب. ومما لا شك فيه، أن الحكومات المشار إليها ستحقق عوائد ربما توازي ما تنفقه على اللاجئين أنفسهم وأحيانا قد تزيد. بل أعلنت سويسرا أنها ستصادر أي أموال تصل إلى ألف فرنك سويسري من أي لاجئ مقابل إيصال بالمبلغ. وهذا أمر لم يحدث في السابق، باستثناء إذا ضبط اللاجئ عبر المصارف أنه يمتلك أموالا، وعادة ما تكون هذه الأموال مرتفعة.
تغيرت قواعد اللعبة في مسألة التعاطي مع اللاجئين في أوروبا. فألمانيا وحدها استقبلت أكثر من 1.1 مليون لاجئ في أقل من عام واحد. ورغم أوضاعها الاقتصادية الأفضل قاطبة في القارة الأوروبية، إلا أن حكومة المستشارة أنجيلا ميركل، لم تستطع الصمود أمام الحراك المحلي الألماني الداعي إلى اتخاذ إجراءات حاسمة بهذا الشأن، على أمل في جعل بلادهم أقل جاذبية للاجئين بشكل عام. وكان واضحا أيضا أن الاتحاد الأوروبي متفق على مبدأ تقييد الإجراءات، من خلال الاتفاقات التي أبرمها مع تركيا، لجعلها المحطة الأخيرة أمام اللاجئين، وليس أي دولة أوروبية أخرى. وقد خصص أموالا وصلت حتى الآن إلى ثلاثة مليارات يورو لتركيا لدعمها في مواجهة أزمة اللاجئين الكبرى التي تشهدها.
المرحلة المقبلة ستكون مختلفة تماما على الساحة الأوروبية حيال اللاجئين. والتفاوت في الترحيب باللاجئين واحتضانهم سيبقى حاضرا بين دولة وأخرى، وكل شيء مرتبط بالساحة الداخلية قبل الساحة الخارجية، كما أن المعايير السياسية ستكون حاضرة بصورة أكبر.