في انتظار «المعركة الأخيرة» .. «داعش» يحتمي بـ «دابق»

في انتظار «المعركة الأخيرة» .. «داعش» يحتمي بـ «دابق»
في انتظار «المعركة الأخيرة» .. «داعش» يحتمي بـ «دابق»

لم تعد الحروب في العصر الحالي مستمرة بشكلها التقليدي، وإنما أخذت أبعادا أخرى فيما عرف "بالحرب الدعائية"، ومن هنا جاءت أهمية هذه الدراسة لمعهد دراسات الحرب، وهي مؤسسة بحثية غير حزبية تعمل على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة، وقد بدأت عملها في مونتريال منذ عام 2007. وقد صدرت الدراسة تحت عنوان "دابق: الرسالة الاستراتيجية لتنظيم داعش"، وقامت بإعدادها هارلين جامبير الباحثة بمعهد دراسات الحرب الأمريكي، واهتمت الدراسة، بحسب عرض قدمه المركز الإقليمي للدراسات بتحليل مضمون الطبعتين الأولى والثانية من مجلة "داعش" الإلكترونية "دابق" للتعرف على الرسالة الاستراتيجية التي تسعى إليها.

###شرعنة التوحش

في ضوء الانتصارات العسكرية التي حققها تنظيم داعش، ورغبة التنظيم في تحقيق الهيمنة الدينية والسياسية، زادت أهمية نشر أهدافه، ولهذا السبب ظهرت مجلته الإلكترونية "دابق Dabiq" التي اكتسبت أهمية كبيرة لدى "داعش"، ما جعله يخصص لها كثيرا من الموارد، وقد ظهرت هذه الأهمية في أمور عدة، منها: اللغة المستخدمة، وتوقيت صدورها، والجمهور المستهدف، ناهيك عن الرسالة التي تحملها، وعرضها للنشاطات العسكرية والدينية والسياسية لـ"داعش".

وجدير بالذكر هنا أن كثيرا من الدوريات بما فيها "دابق" التي يصدرها "داعش" باللغة الإنجليزية، مع ترجمتها إلى لغات أخرى كالفرنسية والألمانية والروسية والعربية، ما يدلل على خطورة التنظيم الذي يسعى أساسا إلى الانتشار العالمي، سواء بالترغيب أو الترهيب. وسنجد أن "دابق" أثبتت أن "داعش" لا يسعى إلى الوصول فقط إلى المناطق المجاورة، ولكنه يسعى إلى "استراتيجية عالمية للانتشار" يستطيع من خلالها استقطاب مزيد من المتطوعين، ولذلك يستخدم أدوات الإقناع والدعاية والانتشار، في الوقت الذي يواصل فيه هجماته.

ويأتي أحد جوانب أهمية مجلة "دابق" الأخرى في توقيت صدورها؛ إذ صدرت بعد سقوط الموصل بشهر، وبالتحديد في (5 يوليو 2014)، إذ أراد "داعش" من خلالها أن يستعرض أحداث المعركة مع تعليقاتها الدينية، وذلك لتحقيق هدف أساسي يكمن في نشر فكرة "أن الخلافة هي الأكثر ملاءمة للوضع الراهن".

وتحاول "دابق" أن تحقق أهداف "داعش" المتمثلة في الخلافة، والتوسع العالمي الذي يعتمد فيه ليس فقط على عملياته العسكرية، ولكنه يحاول أن يدعم هذه الانتصارات بالأسانيد الدينية والمؤسسات السياسية، فضلا عن محاولته الدائمة الظهور كحل وحيد للمرحلة، بإظهار تفوقه على المنظمات المنافسة، كل هذا تسهم "دابق" في تحقيقه كما سنرى من خلال هذه الدراسة التي نحن بصدد عرضها.

###دلالات التسمية

اختيار اسم "دابق" لمجلة "داعش" التي تمثل الأداة الناعمة لربط قوتها العسكرية بالسياسية بالأسانيد الدينية، لم يأت من قبيل المصادفة، فـ"دابق" اسم مدينة سورية صغيرة تقع في شمال حلب لها دلالة رمزية إذ ذكرت في أحد الأحاديث الشريفة المعروفة بأن هذا المكان سيشهد معركة "الهرمجدون" المدمرة بين المسلمين والروم ويقصد بهم "الغرب". فضلا عن الأهمية التاريخية لهذا الموقع الذي شهد المعركة الحاسمة بين المماليك والعثمانيين الذين استطاعوا تحقيق النصر وإقامة "الخلافة الإسلامية" المعترف بها. ومن جانب آخر تم اقتباس هذا الاسم من كلام أبو مصعب الزرقاوي - مؤسس القاعدة في العراق - حين قال: "إن الشرارة التي أضيئت هنا في العراق سوف تستمر بكثافة - بإذن الله - حتى تحترق الجيوش الصليبية في دابق".

ويؤكد "داعش" من خلال هذه التسمية استقلاليته، وتفوقه على المنظمات الأخرى مثل القاعدة وجبهة النصرة، حيث إنه يبذل الجهود الحثيثة للوصول إلى حلم الخلافة المنتظر، وهزيمة الغرب الكافر، على حد قولهم.

وعلى الرغم من أن تسمية "دابق" قد تشير إلى التآزر الأيديولوجي بين القاعدة و"داعش" فإن هناك اختلافات استراتيجية بين الجانبين، أبرزها: الاستراتيجية الإعلامية، فالقاعدة تركز على تشجيع العمليات الإرهابية أكثر من التعبير عن رؤية دينية وسياسية وعسكرية، على العكس من "داعش"، الذي يريد إقامة "الخلافة" وتشجيع المسلمين المؤمنين على الهجرة إليه، ومن هنا تزيد أهمية "دابق" لمساهمتها في إيجاد قاعدة قوية من المؤيدين.

كما أن المرحلة الحالية لاستراتيجية القاعدة تقوم على تنفيذ عمليات إرهابية في الغرب.
وفي هذا السياق، أشارت الباحثة ماري هابيك Mary Habeck إلى أن الاستراتيجية الكبرى للقاعدة بدأت بفترة التوظيف الأيديولوجي والاستعداد للحرب، وبعد هذه الخطوات الأولية تأتي الهجمات على القوات الغربية و"الحكام المرتدين" داخل البلدان الإسلامية، حتى يتم إدخال أحكام الشريعة الإسلامية، وهو عمل من شأنه أن يجبر الحكومات على الدخول في "حرب عصابات طويلة الأمد" مع الجهاديين، كما يحدث حاليا في أماكن مثل اليمن والصومال وسيناء.

ثم بعد ذلك تأتي مرحلة إنشاء المؤسسات عبر مساحات واسعة من الأراضي، لتحل محل الحكومات القائمة، التي سيتم توحيدها ومن ثم إنشاء "الخلافة"، وهذه الخطوة في حد ذاتها من شأنها أن تؤدي إلى "اندلاع حرب مع الكفار حتى آخر الزمان. ومن هنا يأتي الفرق بين "داعش" والقاعدة، إذ ترى القاعدة نفسها بعيدة كل البعد عن خطوة إعلان الخلافة، بخلاف "داعش"، الذي يريد بإطلاقه اسم "دابق" على المجلة التي ستمثل دعايته الأساسية، أن ينظر إليه على أنه جماعة جهادية من شأنها أن تقود المجتمع الإسلامي إلى الهيمنة العالمية. وجدير بالذكر أن "داعش" استولى بالفعل على مدينة دابق السورية في (أغسطس 2014)، استعدادا للمعركة الدينية الحاسمة.
#2#
وقد صدرت الطبعة الثانية من مجلة "دابق" باسم "الطوفان" إشارة إلى قصة سيدنا نوح والسفينة، وتشبيه "خلافة داعش" بالسفينة، وأن كل مَن لا ينضم إليه سيتم محوه في "فيضان".

###صناعة الصورة

ظهرت في كل طبعات "دابق" الرسومات البراقة لخطب أبو محمد العدناني المتحدث باسم "داعش"، وزعيمها أبو بكر البغدادي التي أكدت الطابع العالمي لـ "الخلافة" مع دعوة البغدادي لجميع المسلمين للهجرة إلى "داعش". وأكد البغدادي أن الهجرة واجبة، خاصة على "الأطباء والمهندسين والعلماء والمتخصصين".

فـ"داعش" يريد تكوين دولة من مواطنين يتفقون فكريا مع عقيدتها، ولتحقيق هذا الهدف هناك طريقان؛ الأول إما إقناع السكان المحليين بعقيدتها، وإما بقتلهم وتشريدهم واستبدالهم بالمهاجرين المؤيدين للفكر الداعشي. وفي الطبعة الثانية لـ"دابق"، دعوا القراء الذين لا يستطيعون الهجرة إلى أن يشجعوا غيرهم عليها، وذلك لتجميع المؤيدين من المساجد والمراكز والمنظمات الإسلامية لنشر الدعوات لبيعة "داعش" عبر جميع وسائل الإعلام بما في ذلك الإنترنت.

كما عالجت الطبعة الثانية من "دابق" قضية غزة، مستنكرة موقف الدول العربية الذي ينحصر في الكلمات المنافقة - على حد تعبيرها - للإدانة أو التعازي. ولم يغفل "داعش" في تحقيقه التقدم على الجبهة الداخلية أهمية التعاون مع الجماعات المحلية، لإثبات أنه قادر على الفوز بولاء زعماء القبائل في العراق وسورية، فضلا عن عقد صفقات مع القبائل ذات النفوذ لتسهيل الهجمات في العراق. ويأتي دور "دابق" هنا في وظيفتها الدعائية، ونشرها صور اجتماعات "داعش" بزعماء القبائل والعشائر العراقية والسورية الذين يبايعونه، وذلك حتى تعطي انطباعا لدى القراء باللغة الإنجليزية بمدى الدعم الذي تحصل عليه من المجتمع المحلي، وذلك ما حدث بالفعل - على سبيل المثال - في اجتماعات قبائل البوخميس، وبنو سعيد، والغانم، وآل علام، والزاوية.

في السياق ذاته، يؤكد "داعش" من خلال "دابق" أنه سيفرض حقوق الملكية، فضلا عن توزيع المساعدات، خاصة للأيتام والأرامل والمحتاجين، مع ضمان توفير الأمن والخدمات في المناطق الخاضعة لسيطرته، ولا سيما في الرقة وحلب. وأوضحت الدراسة أن مجلة "دابق" خصصت اثنتي عشرة صفحة لشرح أساس "خلافة"، "أبو بكر البغدادي"، تحت عنوان "مفهوم الإمامة" الذي يضع الخطوط العريضة للأسباب التي تجعل البغدادي هو الحاكم المطلق لجميع المسلمين على حد سواء في الأمور السياسية والدينية.

كما أن "داعش" يكرس لنظام القيادة الصحيحة، معتمدا في ذلك على القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الموجودة في الصحيحين (مسلم والبخاري)، وذلك للاعتماد على أسانيد قوية موثوق بها لتبرير السلطة الدينية، للعمل على إحياء الملة، طبقا للتفكير الداعشي، مع التأكيد على أن دور الزعيم الصحيح "يشمل كلا من القيادتين السياسية والدينية على حد سواء".

وكشفت "دابق" عن استراتيجية داعش لإقامة "الخلافة"، فتشير إلى خطة الزرقاوي في العراق في أوائل عام 2000، إذ شرحت كيفية وضع أرضية العمل الحالية لهجوم "داعش"، فوفقا لما نشرته "دابق" فإن خطة الزرقاوي تشمل خمس خطوات: أولها الهجرة، ثم الجماعة، ثم زعزعة الاستقرار، ثم تأتي مرحلة التوحيد، وأخيرا "الخلافة"، وبذلك فأساس تنظيم داعش هو "تنظيم القاعدة في العراق"، الذي أكمل الخطوات الثلاث، ويعمل الآن على تحقيق نموذجه لـ "الخلافة".

وخصصت "دابق" جزءا من صفحاتها لاستعراض رؤى أعداء "داعش"، وذلك لعدة أغراض، فمن جانب تثبت أنه مهم بما فيه الكفاية للفت الانتباه العالمي إليه، ومن جانب آخر تشجع المؤيدين المحتملين للانضمام إليه، ناهيك عن رسمها صورة وهمية من الخصوم. فعلى سبيل المثال، نشرت الطبعة الثانية من "دابق" انتقادات جون ماكين السياسية لـ"داعش".
فيما جاء الجزء الأخير من "دابق" في التقارير العسكرية، بأسلوب يتضح من خلاله أن من قام بالكتابة على درجة احترافية عالية في هذا المجال، حيث الانتصارات العسكرية التي يحققها "داعش"، ولم يقتصر الأمر على أنشطة "داعش"، وإنما نشرت أيضا صورا لضحايا الأسد الذين أصيبوا في الغارات الجوية على الرقة.

###انتقاد التنظيمات الإسلامية

أكدت "دابق" أن هناك فرقا بين الزرقاوي وأسامة بن لادن، بما يؤكد أن "داعش" منظمة مستقلة تدعو إلى وحدة الحركات الجهادية العالمية، كما أبرزت المجلة أهمية العمليات العسكرية لـ"داعش" في تحقيقه التفوق على الجماعات الأخرى. كما أبرزت "دابق" انتقادات "داعش" للأحزاب السياسية الإسلامية، مثل الإخوان المسلمين في مصر، وحماس في فلسطين، اللذين وصفتهما بأنهما وقعا في "انحراف عن المنهجية" بعد وفاة قادة الجهاد، وقد وجه النقد خصوصا للرئيس الأسبق محمد مرسي، ورئيس الوزراء الفلسطيني السابق إسماعيل هنية، لتخليهما - من وجهة النظر الداعشية - عن أساسيات الشريعة، في محاولة منهما لكسب مزيد من الشعبية.

ولم تسلم المعارضة السورية من نقد "دابق" بما فيها "جبهة النصرة"، وذلك لقيامها بهجوم ضد "داعش" في حلب وإدلب، إذ اتهمهم العدناني (المتحدث باسم التنظيم) بأنهم يحاربون الجهاد في الشام منذ عشر سنوات. فالانتصارات العسكرية لـ"داعش" - على حد زعمهم - لا تدع عذرا لأي شخص لأن يقاوم سلطة الإمام، لتعيدنا مرة أخرى إلى أهمية الأنشطة العسكرية، وما تقوم به من تعزيز السلطة السياسية والدينية، ومن هنا وجب على الجميع مبايعة البغدادي، وطلب الحماية منه في إطار "الخلافة الإسلامية الجديدة"، استعدادا لمحاربة الجيوش الصليبية في دابق، وهذا التكرار في مجلة "دابق" عن المعركة الأخيرة و"الخلافة" في الخطاب الداعشي يؤكد أن المواجهة الملحمية مع الغرب هي جزء من رؤية طويلة الأجل لـ"داعش".

إجمالا .. يمكن القول إن الدراسة لفتت النظر إلى أن "دابق" تشكل أهمية كبيرة للمحللين وليس فقط لـ"داعش"، وذلك لكونها - بمرور الوقت - ستمكنهم من تتبع التغيرات في أولويات "داعش"، كما ستسهم في دراسة مبررات "داعش" المتغيرة، بما يمكن في النهاية من المساعدة في تشكيل استراتيجية مضادة له، ولتطوير وسائل لمواجهته.

الأكثر قراءة