التطبيع مع «الشيطان الأكبر» .. انفراط العمامة وتهاوي كذبة الممانعة
شغلت إيران حيزا مهما من الرأي العام العربي والعالمي منذ بدء هذا العام بجملة أحداث ارتبطت بها، كانت أولها الاعتداء على الهيئة الدبلوماسية السعودية؛ وما رافق ذلك من توترات ومواقف في الإقليم. ثم جاء الدور على قرار الرفع شبه الكلي للعقوبات المفروضة عليها من قبل أمريكا والاتحاد الأوروبي، عقب مفاوضات طويلة أفضت إلى تسوية في الملف النووي. بعد أن كانت تشغله (الرأي العام) بشكل غير مباشر اعتمادا على وكلائها المحليين وأذرعها الميدانية في عديد من الأقطار العربية؛ ونقصد تحديدا حوثيي اليمن وحزب الله في لبنان وحكام كل من العراق وسورية.
قبل تحليل هذه التطورات المتسارعة بما لها وما عليها، فلنتبين التباسات منطقة رمادية تضم عديدا من التفاصيل الصغيرة التي تقحم قسرا في الموضوع دون أن يكون لها داع إلا لتجييش العواطف وكسب التأييد. وتتعلق تحديدا بما يلي:
أولا: الخلاف مدار الحديث ليس خلافا سنيا شيعيا، كما يسعى الكثيرون في هذا الطرف أو ذاك لتقديمه والتأسيس له مذهبيا وطائفيا. إنما هو صراع عربي إيراني تحكمه أهداف توسعية تحت أكذوبة حماية الشيعة العرب بهدف استمالتهم لخدمة المشروع الإيراني في المنطقة.
ثانيا: الخلاف ليس مع الشعب الإيراني، وليس ضد تاريخ أو حضارة أو جغرافية هذا البلد الرائع، الذي يمثل جزءا لا يتجزأ من الحضارة العربية الإسلامية العريقة، بل مع نخبة الحكام المستبدين هناك (ساسة وعسكريين ورجال دين) ممن قمعوا ربيع الشعب الإيراني الأخضر التواق للحرية والكرامة والديمقراطية عام 2009.
ثالثا: لا أحد في العالم يرفض أن تسعى إيران كدولة مسلمة إلى فرض نفسها دولة قوية في موازين القوى الدولية، بل على النقيض هو أمر مرغوب فيه. لكن ينبغي ألا يكون على حساب الشعوب العربية ومستقبل الإقليم العربي.
عودا إلى مسألة رفع العقوبات التي تضاربت حولها الآراء في الساحة العربية، وأثير حولها الكثير من الكلام تحذيرا من طغيان نظام الملالي تجبره في المنطقة، بغية طرح قراءة للأمر من زاوية نظر قلما نتنبه إليها. إن هذا القرار قد يكون نقطة تحول مهمة - في تاريخ نظام سرق ثورة شعب واستطاع البقاء عقودا من الزمن - قد يكون بداية انفراط العمامة وتهاوي مجد قوامه شرعية من ورق. كيف ذلك يتساءل الكثيرون وباستغراب؟
نعم إن الأمر، فمن ناحية أولى أضحى شعار الحشد والتأييد "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل" في خبر كان وجزء من التاريخ، فالعلاقات مع أمريكا وأوروبا سوف تعود بالتدريج إلى وضع العلاقات الطبيعية بين كل الدول. وهكذا يصبح التطبيع مع "الشيطان الأكبر" الذي تُكال إليه كل التهم إلى الأمس القريب، فرض عين على رجال الحكم في طهران. ويستلزم ذلك منطقيا سقوط تلك القلة العربية التي كانت تؤمن بمحور الممانعة، وبنصرة إيران للقضية الفلسطينية، وبكونها المدافع الوحيد عن المستضعفين في وجه "الطاغوت" الأمريكي. ومعها يسقط خطاب الداخل الذي طالما جمَّلَ به النظام الإيراني صورته داخليا في مواجهة شرائح عريضة من المجتمع الإيراني.
من ناحية ثانية، ليس بمقدور إيران فعل أكثر مما فعلت حاليا في المنطقة العربية، إذ لعبت بكل أوراقها بدءا بأشكال الدعم كافة في اليمن وصولا إلى التدخل الميداني في سورية والتقتيل على أساس طائفي مذهبي. لكن في المقابل سوف يحرك هذا القرار قوى عربية؛ وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بغية إعادة رص صفوف النظام الإقليمي، وترتيب البيت الداخلي العربي لأجل إقامة معادلة توازن حقيقية في الميدان، تفرض على المارد الإيراني حدودا يتوقف عندها. ولا شك أن هذا الأمر سيحرر عواصم عربية من قبضة طهران التي جعلت العرب حطبا لنيران الحرائق التي تشعلها بالمنطقة للمساومة والتفاوض سعيا لتسوية ملفاتها مع القوى الدولية.
#2#
من ناحية ثالثة، الانفراج الذي يلي رفع العقوبات له تبعات جمة على الداخل الإيراني، فتبرير القمع الداخلي والانتفاضات الشعبية (ربيع إيران 2009) بأوهام العمالة لأمريكا وأكاذيب التجسس للصهيونية وغير ذلك من التهم التي تلفق للمعارضين للحكم لم يعد له مبرر؛ فزمن المؤامرة الغربية وتخوين كل القوى الديمقراطية داخل البلد انتهى. وعلى النظام الحاكم في طهران أن يكون مستعدا للقيام بإصلاحات وتقديم تنازلات حقيقة من شأنها إعادة الأمل إلى نفوس الإيرانيين، وإلا فالجزء الثاني من ربيع إيران بما يحمله من انتفاضات شعبية قادم لا محالة فمبررات تأجيله تسقط واحدة تلو الأخرى.
من ناحية رابعة، عودة إيران إلى أحضان المنتظم الدولي لن تكون دون ثمن، فلائحة الشروط الواجب تنفيذها معدة سلفا ولا محيد عنها، فالتسوية لا بد لها من مقابل و"المتمرد" لا بد له من تأديب كما جرى العرف بذلك في السياسية الدولية. ويتمثل المقابل في الحالة الإيرانية بمعالجة ملفات حقوق الإنسان (خصوصا حفلات الإعدام الجماعية في الساحة العامة)، تحسين أوضاع المرأة والتصدي للاضطهاد الذي يلحقها، حماية الأقليات داخل المجتمع الإيراني...
من ناحية أخيرة، يبدو أن مختصي الاستراتيجية في طهران حرقوا كل أوراق لعبهم في المنطقة العربية واستنفذوا ما لديهم. فبدأت تلوح في الأفق نيات للتوسع في العالم (أوروبا، أمريكا اللاتينية، إفريقيا) وذلك بدعم الشيعة ضمانا لولائهم لطهران. بهذا التخطيط يظهر أن العقل الاستراتيجي في طهران محكوم بمنطق العصابة وليس منطق الدولة، فهذا التوجه مجد وعملي بالنسبة للتنظيمات والجماعات وليس لدولة ذات سيادة. ونشير هنا إلى أن هذه الخطة كانت الأساس التوسعي لتنظيم القاعدة في العالم (فرع في اليمن، فرع شبه جزيرة العرب، فرع المغرب الإسلامي،...).
أكتب هذه الأسطر على وقع صور في الذاكرة تم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي فوق الوحشية والهمجية، لمواطنين عراقيين نُكّل بهم وعُبث بجثثهم بشكل لا يفعل حتى مع حيوانات الغاب الضارية. وعلى وقع أمنية بمسار آخر للتاريخ غير الذي نحن فيه قوامه وحدة الصف العربي إلى جانب كل من تركيا وإيران مضافا إليهما دول إسلامية قوية في مقدمتها التنين الإفريقي نيجيريا والباكستان وماليزيا وإندونيسيا، وأتساءل هل سيكون لأمريكا وأوروبا وروسيا حينذاك حتى الحلم في التفكير فيما تنفذه هذه القوى على أرض الواقع؟