بعيدا عن قلق الحوار .. «حديث الصورة»

بعيدا عن قلق الحوار .. «حديث الصورة»
بعيدا عن قلق الحوار .. «حديث الصورة»

أن يتمكن فيلم من لفت الانتباه عبر قوة الحدث، وجمالية الصورة، يدل على متانة الحبكة ومدى سلطة المخرج. وهو ما يلاحظ عبر الفيلم الأمريكي "العائد" الذي يخلط ما بين الدراما والإثارة لعام 2015، الذي اعتمد بشكل لافت على الصورة لتنطق، وتعابير الوجه دون الحاجة إلى التفوه بالكلمات. الفيلم مقتبس من رواية قام بتأليفها مايكل بنك في عام 2002، ليعد العمل الروائي بمثابة ملحمة أخّاذة للصراع مع الطبيعة من أجل البقاء. تعاقب عدد من المخرجين والممثلين في محاولات لإخراج وإعداد فيلم مقتبس من رواية مايكل بنك منذ إصدار الرواية، حتى أخرج الفيلم المكسيكي المبدع أليخاندرو إناريتو، ليعكس النجاح الذي تحقق عبر "العائد" دور المخرج المخضرم واختيار الممثلين الموهوبين في إنجاح العمل السينمائي. قام أليخاندرو في السابق بإخراج أعمال عديدة رائعة باللغتين الإسبانية والإنجليزية آخرها الفيلم الدرامي المتميز بفكرته وتصويره "الرجل الطائر". فيما كان يتوقع باستمرار فوز الأمريكي ليوناردو دي كابريو بجائزة الأوسكار عبر أدواره العديدة في أفلام تأرخت كفيلم تايتانك العاطفي، مروراً بأفلام أخرى قوية آخرها فيلم "ذئب وول ستريت". وقد حصد فيلم العائد جائزة الجولدن جلوب لأفضل فيلم درامي وأفضل إخراج، كما حظي دي كابريو أخيراً بجائزة أفضل ممثل.

في الفيلم الذي انعدم فيه الحوار، تتحدث الصورة بعيداً عن التعقيد الناتج عن التفوه بالكلام. يظهر مشهد شديد الاحتدام شدة الصراع ما بين أعضاء الفرقة الاستكشافية التي ترأسها الكابتن أندرو هنري وقبيلة أريكارا، التي تمارس أشد أنواع البطش والانتقام. الأحداث تتعقد بعد أن يتم ترك هيو جلاس الذي قام بتأدية دوره دي كابريو، الذي بذل مجهوداً جسدياً ضخماً أغناه عن الحاجة إلى الحديث، عبر الشخصية التي تصيبك بالذهول، فهو أبيض البشرة، وجزء من فريق أندرو هنري، إلا أنه يصاحب السكان الأصليين، ويتحدث بلغتهم.
#2#
بل لديه ابن يحمل ملامح السكان الأصليين نتيجة اقترانه بإحداهن. وحين يخذله فريقه نتيجة غدر جون الذي برع بتأدية دوره الممثل توماس هاردي، واستمر بين الشخصيتين صراع يستمر عبر الفيلم. ينهض هيو بعد استماتة ليواجه مخاطر كادت تودي بحياته، كمشهد يؤرخ بروعة تصويره لمهاجمة دب له ومحاولته المستميتة التخلص منه، وتتعاقب الأحداث لتتضمن سقوطه عبر شلال. تلك المواقف البيئية تعزز من غريزة البقاء لدى هيو، الأمر الذي يجعله لا يتردد عن قوله: "لست خائفاً من الموت، فقد مررت به من قبل".

فيلم "العائد" يغوص في العنف والدموية، إلى الحد الذي يتضمن مشاهد أشخاص استحالوا إلى آكلين للحم النيء، يقتربون من الحيوانات الميتة وينهشون لحمها بمنظر يثير الاشمئزاز. تظهر مشاهد أخرى غرائبية إلا أنها تصب في محاولة البقاء على قيد الحياة كقيام هيو باستخراج أحشاء حصان مات إثر سقوطه في هاوية، ليختبئ داخله بحثاً عن الدفء لتجاوز البرد القارس الناتج عن عاصفة ثلجية. هناك جهد جسدي لمواجهة إما صدام مع أشخاص شديدي العنف أو مع الطبيعة.

اكتسح البطولة التصوير السينمائي الخلاّب الذي اختصّ به المكسيكي إيمانويل لوبيزكي، الذي نجح في أعمال أخرى ضخمة كفيلم "جاذبية" و"الرجل الطائر". تمحور المكان في الفيلم في غابات لويزيانا في عام 1823، حيث تظهر مناظر طبيعية الناظر إليها، لتختلط الصور الجمالية مع كوارث طبيعية كالبرد القارس والعواصف الثلجية، ما يجعل الصراع معها صعباً من أجل البقاء.

يظهر غياب العنصر النسائي في الفيلم الشديد العنف، باستثناء مشهد واحد للاعتداء على "بواكا" وهي امرأة تنتمي إلى الهنود الحمر، تسبب اختطافها في محاولة للبحث عنها والانتقام لها. فيما يعزز الفيلم من تلك النظرة الدونية التي تعرض لها الهنود الحمر في تلك الحقبة والنظر إليهم كمخلوقات همجية غير إنسانية، وعدم التورع عن قتلهم. في مقابل ذلك تظهر وحشية تصرفاتهم وردّهم على أي موقف يعتبرونه انتهاكاً لحرياتهم.

فيلم العائد يعد ناجحاً في الاستثمار في التصوير السينمائي، واستغلال الظروف المناخية وجماليات الطبيعة للخروج بقالب بديع لفيلم متميز يحمل معاني عديدة، كالصراع من أجل البقاء، وعدم فقدان الأمل في ظل اشتداد الظروف المحيطة. في الحين الذي يقابله الإحساس بخيبة الظن بالآخرين والخذلان، والإصرار على الانتقام.

الأكثر قراءة