«لكريني» أستاذ العلاقات الدولية: السعودية بعثت بـ«رسائل واضحة».. وإيران فهمت الرسالة

«لكريني» أستاذ العلاقات الدولية: السعودية بعثت بـ«رسائل واضحة».. وإيران فهمت الرسالة
«لكريني» أستاذ العلاقات الدولية: السعودية بعثت بـ«رسائل واضحة».. وإيران فهمت الرسالة

الدكتور إدريس لكريني أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاضي عياض بمراكش، ومدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات، من مؤلفاته: “التداعيات الدولية الكبرى لأحداث 11 سبتمبر” (2005)، “إدارة الأزمات في عالم متغير: المفهوم والمقومات والوسائل والتحديات” (2010). وساهم في كتب جماعية منها: “العولمة والنظام العالمي الجديد” (2003)، “نحو استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب” (2011)، “ثورات الربيع العربي: مخاطر الانتقال السياسي والاقتصادي” ( 2013). «الاقتصادية» زارت هذا الأكاديمي المغربي والمختص في إدارة الأزمات الدولية، وحاورته عن المتغيرات الإقليمية في بلدان الخليج العربي مع إيران وقضايا الشرق الأوسط المشتعل.

يبدو أن الدور على الشرق بعدما لفتت شمال إفريقيا (تونس، مصر، ليبيا) أنظار العالم قليلا. طبعا مع اختلاف السياقات، فمنطقة الشرق الأوسط تشهد تطورات مهمة نتيجة التصعيد الدبلوماسي بين السعودية وإيران. كيف تقرؤون هذه المتغيرات المتسارعة؟
ـ طبعاً موضوع الأزمة السعودية الإيرانية لا يمكن مطلقا فصله عما شهدته المنطقة من حراك، حين نستحضر الدور الإيراني المتصاعد في الآونة الأخيرة، الذي استثمر متغيرات هذا الحراك، وما تلاه من ارتباكات أمنية وسياسية عصفت بكل من سورية واليمن. ثم لا ننسى أيضا أن إيران استفادت كثيرا من اختلال معادلة التوازن الإقليمي بعد انهيار النظام العراقي السابق، وما تلاه من مشاكل وأزمات في هذا البلد. يضاف إلى كل ذلك استثمارها لتوافق مع الغرب حول البرنامج النووي، ما شجعها على مزيد من السعي لتوسيع النفوذ.
ما يقع إذن تحصيل حاصل، ولا يمكن قراءته بمعزل عمّا تراكم من أزمات فرعية على امتداد سنوات. ليكون ما حدث بعد الاعتداء على التمثيلية الدبلوماسية السعودية تلك القشة التي قصمت ظهر البعير بظهورها في شكل أزمة.

هل نحن إذن بصدد أزمة حقيقية في المنطقة بعد إعلان الرياض قطع جميع العلاقات مع طهران، التي أردفتها قرارات مماثلة لبعض الدول العربية؟
- معاينة ما حدث من تحولات في سياق فعل الاعتداء وردود الأفعال التي أعقبته، تقودنا إلى الإقرار بوجود أزمة حقيقة تتوافر فيها كل عناصر الأزمة، بالنظر إلى حالة الارتباك والهلع والخوف الذي خلفته، ثم الاضطراب فيما يتعلق بالقرارات المناسبة، وكذا ما أحدثه ذلك من اهتمام نوعي دوليا وإقليميا. وغني عن الذكر أن سمات الأزمة تتوافر فيما وقع قبيل: التسارع، الخطورة، تباين ردود الفعل... وعليه يكون ما حدث أزمة بكل المقاييس.

كيف تقدرون هذا التصعيد من جانب إيران الذي ليس في مصلحتها مطلقا، فهي محاصرة بالعقوبات الغربية، والآن في طريقها إلى حصار عربي بعد هذه الأحداث؟
- إيران استثمرت الأوضاع المرتبكة بالمنطقة العربية، وبدأت تلعب أدوارا واضحة جراء الاختلال في النظام الإقليمي العربي، وتردي أداء الجامعة العربية وسقوط العراق من معادلة التوازن، وتراجع مصر بسبب المشاكل الداخلية التي غيبتها عن التعاطي مع القضايا الإقليمية. زيادة على التباين في الموقف العربي أخيرا فيما يتعلق ببعض القضايا الإقليمية والدولية، وهذا ما فتح الباب واسعا أمام طموحات إيران للتوسع، وقوى إقليمية أخرى كتركيا لتلعب أدوارا في المنطقة.
بالعكس لا يمكننا الحديث عن تصعيد العقوبات الغربية، فإيران مطمئنة على مستقبلها النووي وكثير من المؤشرات تحيل إلى أن العقوبات ستعرف تراجعا مع الاتفاق النووي الأخير الذي سمح لها بتطوير إمكاناتها النووية في المجال السلمي.

#2#

يبدو أن الصراع بين الرياض وطهران في عمقه استراتيجي، خصوصا بعدما حاولت إيران تأجيج النزعات الطائفية باستخدام الشيعية في بعض الدول العربية، خاصة أنها تمني النفس بالتحكم في صياغة القرار أربع عواصم عربية. هل سيكون لهذه التطورات الأخيرة أثرها في مجريات الأحداث بهذه العواصم؟
- فعلا ما حدث من تطورات أخيرة أكيد لا يهم فقط السعودية وإيران، فإذا ما تطورت الأمور في اتجاه أسوأ فالمؤكد أن انعكاساته ستكون على المنطقة برمتها، خصوصا إذا ما استحضرنا إمكانية تأجيج الصراعات الطائفية في منطقة تدبير التنوع المجتمعي الغني فيها تدبير مختل، وهو صورة لجملة من الاختلالات التي تراكمت لعقود.
على هذا الأساس يظهر أن البلدين إلى الآن يبدوان واعيين بالأمر، خصوصا أن الأزمة حتى الآن لم تتجه نحو التصعيد، بل توقفت عند حدود معينة.
السعودية بعثت برسائل واضحة إلى إيران أولها: أن أمنها بمفهومه الشامل، سواء تعلق بالأمن العسكري أو السياسي أو الروحي هو خط أحمر، لا يجوز لأي طرف تجاوزه أو الاعتداء عليه. والرسالة الثانية تفيد بأن السعودية باعتبارها قوة إقليمية في المنطقة مستاءة جدا من التحركات الإيرانية بالمنطقة. ويبدو أن إيران فهمت الرسالة، والمستقبل كفيل بتأكيد ذلك، وبالتالي التوقف عن تلك التدخلات.

عودة السعودية بقوة إلى قيادة العالم العربي بعد "عاصفة الحزم" ثم "التحالف الإسلامي ضد الإرهاب" جعلت مخططات التمدد الإيراني على أساس طائفي في مهب الريح. إلى أي مدى يصح هذا الأمر؟ وهل هو السبب الحقيقي وراء الارتباك الحاصل في الجانب الإيراني، خصوصا بعد الاعتداء على المؤسسات الدبلوماسية السعودية؟
ـ صحيح هناك وعي عربي متزايد بخطورة الأدوار التي تقوم بها إيران في المنطقة، لكن وجب الإشارة إلى أن إيران لن ترتدع بالتحرك السعودي الأخير وإن كانت له أهميته الكبرى. فالوضع يفرض قدرا من التكتل والتعاون وإعادة الاعتبار للنظام الإقليمي العربي المتصدع.
يبدو أن هناك وعيا بهذا الشأن، ونحن نستحضر الاجتماعات العربية الأخيرة في مجلس التعاون وكذا الجامعة العربية، حيث بدا واضحا استيعاب مدى الخطورة التي يشكلها التحرك الإيراني في المنطقة. والذي يتخذ لبوسات مرتبطة بالدفاع عن فلسطين أو دعم التحول في بعض المناطق، لكن سرعان ما ينكشف سعيه لإرباك الأوضاع الاجتماعية من خلال الهاجس الطائفي الذي يحرك الاندفاع الإيراني في المنطقة.
أما فيما يتعلق بالاعتداء بالمؤسسات الدبلوماسية السعودية، فهذا سلوك مرفوض تحت أية ذريعة كيفما كانت. أولا لأن الأمر يتعلق برد فعل غير واضح، ويفتقد خلفية يستند إليها. لأنه عندما نتحدث عن القصاص من مواطن فأعتقد أن إضفاء مسحة طائفية على هذا الإجراء من قبل إيران باطل، ولا يمكن قبوله بأي شكل من الأشكال.

بتكبير زاوية النظر نرى أن دول المنطقة العربية وفي مقدمتها السعودية وبالتعاون مع تركيا تسعى إلى استقلالية القرار فيما يتصل بالدول العربية في مواجهة تمدد المعسكر الإيراني الروسي في ظل غياب الموقف الحازم لدى أمريكا وأوروبا؟
ـ ما هو مؤكد أن القوى الدولية الكبرى كما هو الشأن بالنسبة لروسيا وأمريكا والغرب هي قوى تبحث عن مصالحها أولا، ويبدو أن هواجس (الحرب الباردة) عادت بعض مظاهرها من جديد، التي تتمثل بالخصوص في الإصرار الروسي على عدم تكرار التدخل الغربي في سورية بنفس الوثيرة والسيناريو الذي تم في ليبيا. وهكذا أربك الدور الروسي الكثير من حسابات القوى الدولية والإقليمية.
وبطبيعة الحال الوضع مفتوح على كل الاحتمالات لأن في منطق العلاقات الدولية لا صديق ولا عدو دائما؛ في السابق أمريكا كانت ترى في السعودية ومصر ودول أخرى بالمنطقة حليفا استراتيجيا لكن يبدو أن الوضع تغير بعد التقارب الغربي الإيراني، والذي سينعكس بالسلب على طبيعة العلاقات الأمريكية والغربية عموما بالمنطقة.
لكن دعني أقول إن هذه الحسابات لا يمكن مواجهتها إلا بتحصين البيت الداخلي العربي، وقبله الاستثمار في الإمكانات المتاحة لدول المنطقة؛ فالإمكانات المتوافرة بشريا واقتصاديا وسياسيا وطبيعيا حتى على مستوى الموقع مساعدة على ذلك، بالإضافة إلى إقرار سياسة خارجية أكثر ديمقراطية وانفتاحا على المصالح الحقيقية لدول المنطقة في مواجهة هذه التهديدات.

أخيرا كيف تتوقعون مستقبل الأوضاع في المنطقة بعد هذه التقاطبات والاصطفاف في محاور؟ بصيغة أخرى، هل الأمر سيكون لصالح استقرار المنطقة وشعوبها؟
ـ مع الأسف دول المنطقة لا تزال في موقع الدفاع عن النفس ورد الفعل، ولم تتحول بعد إلى استثمار إمكاناتها وقدراتها لتتحول، لا أقول مهاجمة، ولكن إلى مبادرة قادرة على صنع التحول، وليس فقط التفاعل معه. لذلك رهان التكتل رهان مهم جدا، خصوصا عند دعمه بالتحصين الداخلي في مواجهة كل أشكال التدخل. والاستثمار في تعزيز التنمية والديمقراطية ولعب أدوار طلائعية في المنطقة التي إن لم يلعبها العرب فتسعى قوى إقليمية لذلك بأشكال لا تنسجم مع المصالح الاستراتيجية لشعوب ودول المنطقة.

الأكثر قراءة