تنظيم الأراضي .. ومنع التعدي
ظاهرة التعدي على الأراضي الحكومية يتم التعامل معها بإزالة التعدي ووقف أي أعمال أو إنشاءات جديدة قام بها المتعدي، سواء كان فردا أو شركة أو مؤسسة، وسواء كان للاستخدام السكني أو الزراعي أو التجاري لأن هذه الأراضي مملوكة للدولة ويجب وقف الاستيلاء ووضع اليد إلا من خلال إجراءات قانونية، وهي إحياء الأراضي البيضاء وفق التعليمات المنظمة لذلك.
هناك ترتيبات جديدة لمعالجة التعدي على الأراضي الحكومية، فقد اطلع مجلس الوزراء الموقر على ما تم رفعه من اقتراحات ودراسات في هذا الصدد، وأقر مجلس الوزراء عددا من الترتيبات من بينها أن للجهة الحكومية المعنية تمكين واضع اليد على أرض ــ داخل حدود التنمية العمرانية ــ استغلها لأغراض زراعية أو صناعية أو خدمية أو تجارية، من حق الانتفاع بالمساحة المستغلة فعليا من تلك الأرض بأجرة تقدرها الجهة المعنية، بشرط ألا تقل عن أجرة المثل، ووفقا لعدد من الشروط منها ألا يكون وضع اليد واقعاً على أرض محظورة أو معترضة للتطوير والتنظيم.
أيضا يجب ألا تكون الأرض واقعة ضمن مناطق مخصصة لمصادر مياه الشرب، أو في مناطق المياه غير المتجددة وألا تزيد مدة الانتفاع على 25 سنة، مع بقاء حق الجهة الحكومية المعنية بإنهاء حق واضع اليد في الانتفاع في أي وقت إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وأن يكون الانتفاع وفق الاستخدامات المخصصة للأرض بحسب المخطط المعتمد، وألا يتنازل واضع اليد عن حق الانتفاع للغير، وألا يؤجر الأرض لأي طرف آخر وأن يتعهد واضع اليد بإزالة جميع ما أقامه على الأرض عند انتهاء مدة الانتفاع، وأنه في حال رغبة الجهة في عدم الإزالة فلا يكون له حق المطالبة بالتعويض.
لقد توقفت المحاكم الشرعية عن قبول أي دعوى بطلب استخراج حجة استحكام للأراضي في محاولة لوقف هذه الظاهرة التي أدت إلى استيلاء بعض الأفراد على أراض مملوكة للدولة، وهي ظاهرة نمت بسرعة، وكأن هناك سباقا محموما نحو تملك الأراضي وبناء ثروة ضخمة من خلال استخراج صكوك أو حجج استحكام أو الشراء ممن لا يملك، والاستناد إلى تلك الأوراق الرسمية أو عقود الشراء لإثبات حق الملكية، وهذه الظاهرة بقدر ما تسيء إلى المال العام، فإنها تعقد كثيرا انتشار المرافق الحكومية والخدمية، التي لا بد لإقامتها من وجود أراض حكومية كمرحلة أولية قبل اعتماد أي ميزانية أو حتى التفكير في إنشاء مرفق عام.
ولأن هذه الممارسة غير الشرعية وغير النظامية أيضا قضمت كثيرا من الأراضي الحكومية في معظم المناطق والمحافظات الرئيسة، فإن هناك مواجهة حاسمة تتطلب إعادة تلك الأراضي إلى ملك الدولة حتى يمكن السير في خطط التنمية وتنفيذ مشاريع الصحة والتعليم التي أصبحت في مأزق مع عدم وجود أراض حكومية ليتم عليها إنشاء تلك المشاريع، كما أن ارتفاع أسعار الأراضي السكنية وصل إلى معدلات لن يحلم أبناء الطبقة الوسطى بالوصول إليها بسهولة، فقد كان الارتفاع الحاد في الأسعار من نتائج الاستيلاء على الأراضي الحكومية، فقد أصبحت الأراضي الصالحة للبناء والسكن خارج المدن بمسافات تحسب بالكيلومترات عن وسط المدن، بل عن أبعد الأحياء التي تصل إليها الخدمات الضرورية للسكن، مثل الكهرباء والماء.
إن ما قامت به لجنة مراقبة الأراضي وإزالة التعديات في محافظة جدة على سبيل المثال لهو خير مثال على منع الاستيلاء غير المشروع على أراضي الحكومة ومنع استنزاف الاقتصاد الوطني، لأن التعديات تحد من وجود الأراضي البيضاء التي يمكن تخطيطها وتوزيعها على من تنطبق عليهم شروط المنح والتوزيع من المواطنين أيضا، فإن ظاهرة التعدي على الأراضي البيضاء تؤدي إلى انتشار الأحياء العشوائية، حيث لا توجد مظلة نظامية تحمي من يتعدون على أراضي الدولة، ولقد سبق لصندوق النقد الدولي أن دعا إلى ضرورة وجود تدابير تكفل تحريك العرض الساكن للأراضي البيضاء، وذلك من أجل المساهمة في حل مشكلة الإسكان، وهذه الملاحظة في الواقع عملية لأنها ستؤدي إلى رفع مستوى المعروض من الأراضي لأجل تخفيف تكلفة الإسكان على الدولة وعلى المواطنين.