فوضى التدريب.. من المسؤول؟
العمل المهني الحقيقي الاحترافي يحتاج إلى التدريب كما يحتاج البدن إلى الغذاء، ودون التدريب والتعليم المستمر، فإن المهنة ستتخلف حتما، لهذا فإن كل المهن المحترمة، والمعترف بها من قبل المجتمعات المتحضرة تضع التدريب كركن أساسي لها. فالتدريب إذا يجب أن يرتبط بمهنة ولا يمكن فصل المهن عن التدريب ولا فصل التدريب عن المهن، وإلا فقد كل عنصر معناه ومبرر وجوده، هذه القاعدة يجب أن تكون الأساس في أي نقاش حول التدريب وواقعه في المملكة، فإذا أقررنا ذلك، وكي يرتقي التدريب وترتقي وسائله يجب أن ترتقي المهن أولا، وبمعنى آخر فإن أي فوضى تمس التدريب لدينا مرتبطة بطريقة أو بأخرى بفوضى أصابت المهن ذات العلاقة، ولن تسلم المهن من الفوضى التي تصيبها حتى تكمل عناصرها وأركانها، ومن أهمها حصول كل عضو من أعضائها على التعليم المهني الأساسي والشهادات العلمية المطلوبة، وأيضا لا بد لكل مهنة من جهة إشرافية وتنظيمية للمهنة، مشكلة من أعضاء هذه المهنة وكبار مشيختها ــ إذا جاز التعبير ــ وهم كتجمع وأعضاء يضعون قواعد للسلوك وآدابا وقواعد لممارسة المهنة، ومن يتعدى ذلك يؤدب من قبل أعضاء المهنة. هذه القواعد يجب أن تنطبق بمستوى معين على كل المهن المحترمة.
يلاحظ في المملكة وجود حالة من فوضى التدريب التي اعترفت بها عدة جهات، منها الغرف التجارية والمستثمرون في هذا القطاع، وقد رصدت "الاقتصادية" هذه المشكلة والآراء حولها في أكثر من تقرير، ومع ذلك فإن الموضوع عالق ولم يجد له جهة تتولى معالجة القضية، وخاصة مع توسع قطاع التدريب ودخول مستثمرين ومدربين غير متخصصين في بعض مراكز التدريب الأهلية، التي توصف بأنها غير مؤهلة أيضا. وهنا بيت القصيد فحل هذا الموضوع برمته وحل هذه الفوضى التي يتحدث عنها الجميع، في وجود مراكز تدريب "مؤهلة"، لكن من يمنح هذا التأهيل والترخيص؟ إذاً ما زالت المسألة لدينا هائمة بين عدة جهات، منها المؤسسة العامة للتعليم التقني والمهني ــ التي حملت على عاتقها أكثر من طاقتها وحملت في عنوانها أكبر من مفهومها الأساسي ــ ووزارة التجارة وكثير من الهيئات المهنية المختلفة، فالمهن أعرض وأكبر وأكثر توسعا من أن نحصرها في يد جهة واحدة مهما بلغت، فهناك مهن طبية مع تنوع كبير في تخصصاتها، وهنا مهن مالية وإدارية ورقابية، ومهن مثل الصحافة والإعلام، ومثل التدريس وغيرها كثير جدا، فلا يمكن لجهة واحدة أن تتولى الإشراف على التعليم المهني "بمعناه الذي وضحناه أعلاه"، أي تدريب مرتبط بمهنة. وما نحتاج إليه حقيقة هو إعادة تشكيل مفهوم المهنة. والاعتراف بوجود أي مهنة وكينونتها وحق الأعضاء فيها على تنظيم مهنتهم، مرتبط بتشكيل هيئات مهنية مستقلة من أعضاء هذه المهنة تشرف عليهم وعلى تصرفاتهم وتمنحهم التصاريح اللازمة، وأيضا ــ وهنا موضوع الكلمة ــ تشرف على تدريبهم وتمنح ترخيص التدريب للجهات التي تريد أن تتولى التدريب في هذه المهنة، وتقوم بفحص جودة التدريب من وقت إلى آخر.
هذا هو الحل الذي طورته الدول التي سبقتنا في مجال المهن والتدريب المهني، وهذا هو الطريق الفعال الذي سيختصر المسافات، دون هذا سنظل ندور في حلقات مفرغة وفوضى المراكز التدريبية وشهادات مزورة تمنح هنا وهناك، ويتم من خلالها ممارسة مهن متقدمة وصلت حتى التخدير الطبي وطب الأسنان ومعامل المختبرات، ووصلت الفوضى إلى فناء التعليم حتى أصبح معلمو المدارس يأخذون تدريبهم ممن لم يكمل تعليمه الأساسي، تحت مسميات مختلفة، وهي في مضمونها دورات تدريبية غير صالحة للاستخدام الحضاري.