إيقاف حسابات
مع تطور آليات التواصل، يدخل الناس في حالة من التفاعل الذي يستدعي التعامل الدقيق مع مصالح ومتطلبات الآخرين. إن الالتزام بأسلوب معين من التعامل هو ـــ بالضرورة ـــ الوسيلة الأمثل للبقاء بعيدا عن المشكلات سواء القانونية أو الرسمية. عندما تصبح وسائل التواصل أسلوب حياة، وتنتشر بالشكل الهائل الذي نشاهده اليوم، يأتي معها تبني مفاهيم مراعاة القوانين والأنظمة التي تسود في منطقة "السايبر".
يمكن أن نتوقع أن تكون أغلبية القضايا القانونية في المستقبل، متعلقة وناتجة عن استخدام وسائل التواصل وتحدث في منطقة حيث لا يكون الأثر جسديا أو محسوسا من قبل الآخرين. إذ تصبح الكلمات والعبارات محسوبة والناس لم يسمعوها أو يروها في الشوارع والميادين.
يكفي أن نلاحظ ما يحدث في الغرب من قضايا من هذا النوع والارتفاع الجنوني لهذه القضايا على الرغم من عدم الاهتمام بالفوارق الاقتصادية والمجتمعية هناك، وحالة التباعد الأسري والاجتماعي الذي يميز تلك الدول. هنا يبدأ الإنسان في القلق عما يمكن أن يحدث في مجتمعنا في المستقبل ونحن نشاهد هذه العودة المفاجئة للناس لمفاهيم وقيم وسلوكيات بعيدة كل البعد عن مفاهيم الإنترنت والحاسبات.
يلاحظ الجميع أن كثيرا ممن لا يزالون يعيشون في عالم تجاوزه التاريخ بما يحمله من حدة في الألفاظ، وتخلف في التعامل مع الآخرين، هم اليوم مراكز متابعة في عالم الإنترنت العجيب. حيث يكوِّن الواحد منهم العلاقات، وينشر المقاطع، ويباشر في تحليل العالم ويرسخ أفكارا عفى عليها الدهر. ثم يأتي متابعوه لينشروا فكره ويقلدوه معتقدين أن هذا هو الصحيح.
إذا لا بد أن نتوقع المزيد من الغلق للحسابات، والقضايا والمطالبات في مختلف مواقع التقاضي التي يتيحها الوضع القانوني في الدولة. لكننا سنضطر لتكوين محاكم "سايبرية"، تتفرغ للتعامل مع قضايا التجاوزات السلوكية، والاستغلال والغش التي تسيطر في المجتمع مع مزيد من انتشار وسائل التواصل ومواقع "فش الخلق".
أتساءل ختاما: أين دور هيئات التربية والتوعية المجتمعية التي يتميز بها مجتمعنا؟ هذا السؤال لا بد من طرحه والبحث عن إجابات من أصحاب العلاقة عنه. ليس بالضرورة أن ننتظر وقوع مزيد من المصائب لنتفاعل مع الوضع، بل لا بد أن نستبق الأحداث وننشر الوعي وننبه لأهمية التعامل الراقي مع وسائل التواصل الاجتماعي.