«التحول الثقافي» .. عام الإصلاح وتعزيز الذاكرة الوطنية

«التحول الثقافي» .. عام الإصلاح وتعزيز الذاكرة الوطنية

نعيش الذكرى الأولى لبيعة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بعد عام من القرارات المتتابعة التي ضخت كثيرا من الدماء الجديدة والشابة في مفاصل الحكومة السعودية. قرارت وإن كانت في ظاهرها تختص بإصلاح الشأنين السياسي والاقتصادي إلا أنها لا تنفصل عن إصلاح الشأن الثقافي بمفهومه العام، الذي يعنى بسلوك وقناعات مجتمع يروم التقدم، وبمفهومه الخاص الذي شدد عليه خادم الحرمين في لقائه الأخير بالمثقفين والاعلاميين والفنانين. حيث ذكّر الحضور في كلمته بأهمية أن يكون المثقف على خلفية كاملة بأهمية هذا البلد ومكانته عربيا وإسلاميا وعالميا. وبأن نربي شبابنا، أبناء وبنات، على المعرفة الأكيدة بأهمية بلدهم.

ثقافة التحول
التقدم والتغيير هما المصطلحان الثقافيان المرادفان لمفهوم "التحول الوطني" وسياسات الترشيد والاهتمام بالتراث الوطني التي أقرها الملك وكلف المجلس الاقتصادي ممثلا في رئيسه ولي ولي العهد محمد بن سلمان بتفعيل برامجها المتكاملة. برامج حددت مرحلتها الزمنية الأولى بأربع سنوات. ترافقها برامج فرعية وأدوات شفافة لمتابعة الأداء وقياسه. وهذا تماما ما يأمله المثقف أيضا ويدعو إليه منذ زمن. بقصد إحداث تغيير إيجابي ينعكس على ثقافة الوطن والمواطن.
بماذا نبدأ، بالاقتصاد أم بالثقافة؟ سؤال جدلي. سبق أن أثير في كثير من المجتمعات. وعلى مستوى كثير من المناهج والمدارس الأدبية والفكرية. لمعرفة المسؤول عن أسباب التراخي وفرص النهضة الممكنة. سؤال لم يمنع سائليه من اتخاذ كل التدابير الثقافية والفكرية والفنية. لتلمس طرق الإبداع ودروبه. والإبداع هنا ما هو إلا "الإنتاج" المعروف اقتصاديا، لكن في أبرع أشكاله إتقانا وفنونا وأداء.
لذلك، عمل المثقف وحضوره، وتأكيده المستمر على الشعور الوطني ومكتسبات الذاكرة الوطنية، لا يقل أهمية عن غيره من الأفراد والمسؤولين لبلوغ التحول الوطني المنشود. في جميع مجالات الحياة. فأثر القصيدة واللوحة والكتاب، نظريا ومعرفيا، لا يقل عن أثر المعمل والتجربة، حِرفيا ومهنيا. بل إن الأمم التي تميزت تاريخيا وحضاريا. هي الأمم التي جمعت بين الاقتصاد والثقافة بشكل متكامل. دون أن يكون لأحدهما على الآخر أفضلية أو أولوية.

شغف الإتقان
الإتقان ثقافة قد نلحظها في عمل فني أو فكري تماما كما قد نلمسها في منتج صناعي أو خدماتي. ثقافة تحتاج إلى كثير من الرؤية والإخلاص والالتزام في العمل. فضلا عن الشغف والصدق اللذين لا يمكن فصلهما عن العمل المتقن مهما كان نوعه أو حجمه. فالإتقان شغف توجده الثقافة ويستثمره الاقتصاد. شغف ينعكس على طبيعة الإنتاج المجتمعي. وحضوره بين المجتمعات فنا وتميزا وإبداعا.
وكثير من المجتمعات لا يعرف بغزارة إنتاجه بقدر ما يعرف بإتقان وجودة إنتاجه. جودة باتت توصم بها هذه المجتمعات مدحا وإطراء أو ذما وهجاء كما هو الحال مع مجتمعات ودول أخرى عرفت برداءة منتجاتها فلم تبرر لها كثافة إنتاجها رداءة عملها.
وهنا يبرز دور وزارة الثقافة والإعلام باعتبارها المؤسسة الراعية لأحوال الثقافة ومثقفيها. كجزء أساسي وفاعل في منظومة التحول الوطني الشامل. بشقيه الثقافي والاقتصادي. خصوصا وقد خطت الوزارة خطوات جيدة ومهمة في مأسسة العمل الثقافي وأنشطته. بدءا باللوائح المنتظرة للأندية الأدبية. مرورا بدعم جمعيات الثقافة والفنون. وصولا إلى معرضي كتاب الرياض وجدة، التظاهرتان الأشهر سنويا وعربيا على مستوى صناعة الكتاب ونشره.
ويبقى المنتظر والمأمول على مستوى قطاع ثقافة الإنسان وفكره أكبر وأوسع من أي قطاع آخر، إذ يلامس صناعة الإنسان في عمقها. الإنسان المواطن، الإنسان المنتج والمبدع. وحسنا فعل الوزير الطريفي إذ احتفى بالطفل في يومه العالمي العام الفائت. في سابقة وفي رسالة تؤكد أن هذا الطفل هو البذرة الأساس والمكون للعمل الثقافي والإعلامي الوطني. وأن دور الوزارة لا يقف عند أدباء البلد ومثقفيه وإعلامييه، الذين لا تنكر جهودهم فتذكر وتشكر. لكنه جهد يتواصل، ليحقق توصية الملك بتعريف الأبناء والبنات بأهمية بلدهم، آخذا بيد الطفل الذي يُنتظر منه أن يبلغ مبلغ المبدعين. خدمة للوطن وثقافته. وعنصرا راسخا في لبنات التحول الثقافي الوطني المنشود، اليوم وغدا.

الأكثر قراءة