«التعاونيات» الخليجية .. ضمانة ضرورية
من الأفضل ألا توضع السياسات والاستراتيجيات والمخططات على أساس رد الفعل، لكن من الأسوأ ألا تكون هناك سياسات واستراتيجيات مشتركة في كل الحالات، ولا سيما على صعيد مجلس التعاون الخليجي. هناك خطوات بهذا الخصوص مضت إلى الأمام فعلا على الساحة الخليجية، وهناك بعض المشاريع المشتركة الكبرى تعرضت للتأخر، بل أحيانا للتعثر. لكن الظروف الراهنة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، تحفز (إن لم نقل تفرض) لملمة الملفات العالقة والمشاريع المتعثرة والمخططات المتأخرة. لقد أثبت مجلس التعاون في العقود الماضية، قدرته على التعاطي مع التباين في وجهات النظر بين أعضائه في غير مسألة. والتباين حالة طبيعية في التجمعات الكبرى، مهما كانت ناجحة أو متقدمة.
مشروع اتحاد الجمعيات التعاونية يدخل حيز الدراسة في بلدان الخليج العربية، وهو خطوة متأخرة، لكنها ناجعة وضرورية. ولعل من أهم ما يطرح في هذه الدراسة، مسألة إنشاء صندوق يوفر التمويل اللازم لهذه الجمعيات. والأهم من هذا أيضا أن التمويل يستهدف في الواقع المشاريع التنموية لا الإدارات. وهناك يبدأ المنخرطون في هذه الدراسة بأول خطوة على الطريق الصحيح. فهذه الجمعيات التي تختص مباشرة بحياة المواطن الخليجي على مختلف الأصعدة المعيشية، تحتاج إلى دعم مرتبط بالتنمية لا بالاستهلاك، وبالاستدامة لا بالطفرة، وبالعوائد المباشرة على المجتمع، لا جهات محددة فقط. فالإدارات موجودة فعلا، لكن المشاريع مشتتة، في بعض بلدان الخليج غير واضحة المعالم.
ومما لا شك فيه أن توحيد العمل على صعيد قطاع الجمعيات التعاونية الخليجية، سيوفر الكثير من المنجزات المباشرة، خصوصا أن بعض الجمعيات ذات الاختصاص كالزراعة مثلا، بدأت منذ سنوات تحقق خطوات عملية على صعيد الوصول إلى الأهداف. الآن تحتاج الحاجة إلى المشاريع التي تكفل تأسيس أسواق تعاونية وتوفير الدعم اللازم للإسكان التعاوني، إلى جانب تطوير منظومة النقل التعاوني. وإذا ما تم ذلك في إطار خليجي كامل، فستكون النتائج أفضل وأسرع وأكثر قيمة في المضمون والتطبيق. والصناديق التمويلية القائمة على أسس منهجية، ستدفع المشاريع المطروحة إلى مراحل متقدمة، بل ستطرح مشاريع جديدة متطورة وفق الاحتياجات والمستجدات على الساحة الاجتماعية الخليجية ككل.
هذه الصناديق لا تحوي مالا للهبات، بل هي استثمارات اجتماعية ستكون لها عوائد أيضا لا تختلف كثيرا عن أي صناديق استثمارية خاصة أخرى. ولذلك فإن مفهوم الصندوق المطروح في هذا المجال يوفر الآليات اللازمة لتحقيق النجاح والجدوى منه، والأهم المنجزات التي تعود بالنفع المباشر على المجتمعات الخليجية ككل. وهذا النوع من التعاونيات متوافر في الواقع حتى في البلدان الكبرى الرأسمالية، التي تعتقد أن العمل التعاوني على الساحة الاجتماعية بكل أطرافها وملفاتها، يوفر تنمية أكثر استدامة، ويضمن الاحتياجات اللازمة لهذا المجتمع. وقد ثبتت نجاعة هذه الذراع الاستثمارية الاجتماعية الحكومية بالفعل، فضلا عن أن المجال يبقى مفتوحا دائما للقطاع الخاص ليس للدعم، بل للحصول على مكتسباته بأفضل وسيلة وطنية ممكنة.
علينا أن نعترف بأن المشكلة الأكبر التي تواجه الجمعيات التعاونية الآن تكمن في التمويل الخاص بالمشاريع. هناك مشاريع حقيقية وذات جدوى عالية بالفعل، لكن التمويل يقل عنها حضورا. وعلى هذا الأساس، فإن الصندوق الذي تتم دراسته في الوقت الراهن، سيكون بمنزلة محرك لمشاريع موجودة أساسا، وابتكار مشاريع أخرى وفق ما تقدمه الظروف والمتغيرات من استحقاقات. مرحلة الحراك الاقتصادي الريعي بدأت بالفعل بالزوال في منطقة الخليج، ويمكن الاستفادة من التحول العملي في اتجاه القطاع التعاوني، الذي يحقق الأهداف الحقيقية والعوائد الاستثمارية المستهدفة.