كل العالم .. في «غرفة»

كل العالم .. في «غرفة»
كل العالم .. في «غرفة»

"حين كنت صغيرا، كنت فقط أعرف عن الأمور الصغيرة. لكنني اليوم خمسة، وأنا أعرف كل شيء!" تلك عبارة تجسد حدثا مفصليا في حياة الطفل جاك ابن الخامسة الذي اكتشف فجأة بأن هناك حياة خارج باب الغرفة التي يقطنها. وذلك جزء من الفيلم الإيرلندي الكندي الدرامي "غرفة" لعام 2015، والمقتبس من رواية الإيرلندية الكندية إيما دونوجو بالعنوان ذاته لعام 2010، التي لاقت رواجا كبيرا، وترشحت للقائمة القصيرة من جائزة البوكر.

الفيلم من إخراج الإيرلندي ليني أبراهامسون، ويستوحي قصته من قضية النمساوي فيلكس فريتزل الذي احتجز ابنته 24 عاما لتعيش اضطهادا وتنجب أطفالا ببشاعة نهب للحرية حتى تمكنت من الخلاص.

تأتي ذات الفكرة من خلال اختطاف الفتاة جوي "بمعنى السعادة"، ذات السبعة عشر عاما لتحتجز في غرفة ضيقة لمدة سبع سنوات تنجب خلالها ابنها جاك، لتوجد له أجواء خيالية جعلته يؤمن بأن العالم كله منحصر في تلك الحجرة المتهالكة، بأثاثها البالي المكون من غرفة نوم رثة ومطبخ ودورة مياه وتلفاز اقتنع بأن كل ما يشاهده من خلاله من وحي الخيال أو السحر بعيدا عن الواقع.

الرتابة الحياتية لم تحبط براءة وحماسة الطفل الذي اعتاد طقوسا حياتية يومية، كتسمية الأشياء المتناثرة في الغرفة في محاولة لإيجاد ما يمكن التخاطب معه، كالتلفاز وفرشاة الأسنان والمغسلة وكل ما في الحجرة من أدوات تمثل له العالم ككل.

أما ما هو خارج الباب المغلق بأرقام سرية فما هو إلا الفضاء الخارجي. ولا يعيش هذا العالم إلا جاك ووالدته والرجل الغريب الذي تلقبه الأم بنك العجوز، الذي يتسلل إلى حجرتهما ليلا ليتسبب بإثارة الرعب والتوجس، وتحتجزه والدته في خزانة الثياب لتخفي عنه تفاصيل ما يحدث لها بمشهد يثير الأسى.

#2#

أبدع الطفل جاكوب تريمبلاي في أداء شخصية جاك الشديد البراءة والمتعطش لمعرفة ما يحدث في العالم من حوله. فيما برعت بري لارسون في تأدية الأم جوي التي تمكنت من الصمود رغم الظروف القاسية، والقدرة على تهيئة بيئة حاضنة للابن. وظهر أداء كل من الشخصيتين عفويا أقرب للواقع يدفع بالمشاهد للتعاطف معهما. يبتعد الفيلم عن التركيز على فلسفة الشر وحيثيات اختطاف نك العجوز للأم جوي. فظهوره يظهر مهمشا وغير مهم في مشاهد مختصرة تكاد لا تظهر ملامح وجهه إلا عن بعد. ليتم التركيز على أنسنة كل من الأم جوي وابنها جاك والعلاقة الحميمة بينهما التي عززتها الظروف التي أجبرتهما على تحمل شظف العيش وفرض العيش في غرفة ضيقة.

التصوير السينمائي الذي برع في أدائه الإنجليزي داني كوهن يظهر واقعيا يجعلك تعيش الحدث، لتعيش حالة من الترقب والرغبة في رؤية الطفل ينجو من براثن نك ويطلب الإنقاذ من الآخرين.

اختار كوهن ألوانا شاحبة كئيبة في التصوير ليعكس حالة البؤس المحيطة بالشخصيتين المحوريتين. فيما يركز كوهن على تقريب للكاميرا للأشياء البسيطة المتناثرة في أرجاء الغرفة، وفيما بعد يتم الانتقال للتصوير ليصبح عن بعد، ويظهر اتساع المساحات ليزيد من عكسه لذلك الشعور بالرهبة الذي يشعر به الطفل حيال العالم المتسع.

الأمر الذي يستدعي تساؤل جاك إن انتقلا إلى كوكب آخر، فكل شيء يختلف عما عاشه من قبل، بل ويدفعه للرغبة في البقاء في تلك الحجرة، والشعور بالصدمة عند اكتشاف وجود عالم خارجي أكبر مما كان يعلم، الأمر الذي يدفعه لطلب زيارة الغرفة مرة أخرى.

فالعالم الخارجي يبدو مخيفا، وردود الفعل حيالهما إما متعاطفة إلى حد الشفقة، أو مصدومة كالأب غير القادر على التعاطف مع حفيده بسبب الظروف التي ولد فيها كابن نتيجة اعتداء على ابنته؛ الأمر الذي يجعل من جاك يظهر وهو محتبس في الغرفة بشكل طبيعي خال من العقد النفسية، وقادر على التأقلم مع بيئة خانقة صغيرة، فيما تظهر الاضطرابات النفسية عقب العودة إلى العالم وعدم الاندماج في المجتمع الذي يظهر غريبا عليهما. ووجود إحساس بالقلق من الانفصال، وتعلق شديد بالأم وتخوف من العالم الخارجي، ورغبة في التعامل مع الآخرين فقط عبر والدته. والتعجب من ضوء الشمس وتذوق الأطعمة الجديدة والتعامل مع الآخرين.

الفيلم يظهر لأول وهلة دراميا متبحرا في الحالة النفسية لمن اعتاد الحبس القسري ومن ثم يعود إلى الحياة، إلا أنه يكشف من جهة أخرى عن سلطة المعرفة ومدى القدرة على الاستئثار والتوجيه المعلوماتي، لشخص يتلقف كل ما يقال له لتصبح المعرفة محددة حسب ما يفرضه على المرء محيطه، كما حدث مع الطفل جاك الذي تمكنت والدته من إقناعه بعدم وجود حياة خارج جدران الغرفة المغلقة.

الأكثر قراءة