«يحيى» .. حكاية من الماضي مهداة إلى المستقبل
رواية يحيى للكاتبة الأردنية سميحة خريس عمل في ظاهره روائي بامتياز يستجمع كل مقومات السرد والحبكة والأحداث، لكنه باطنيا "بيان" بمشكلاتنا اليوم (الممتد منذ عصور) في قالب ملحمة تاريخية بنفحة سياسية أو بتعبير الروائية "تلك الحكاية القادمة من الماضي.. مهداة إلى المستقبل".
يحيى الكركي بطل الرواية، تلك الشخصية الواقعية المغمورة في كتب التاريخ التي ترصد الرواية حياتها في ستة فصول (جلجول: 1575/1591؛ التيه:1591/1593؛ المحروسة: 1593/1600؛ الكرك: 1600/1606؛ الفيحاء:1608/1610؛ الزلزلة:1610)، متنقلا بين الكرك وسيناء والقاهرة ودمشق إبان أوائل الحكم العثماني للبلاد العربية، عبر أطوار حياته من ولادة وتنشئة ثم التعليم (العلم، والحرف) وصولا إلى العمل (معلما، نحاسا، درازا)؛ ويتخلل كل ذلك محطات لرصد مواقفه النضالية ضد الظلم والاضطهاد والسعي للاجتهاد والإصلاح والتغيير(الأردن، مصر، الشام).
#2#
في تجربة حياتية فريدة تمكنت الكاتبة من تقديمها في قالب روائي بطعم التاريخ الاجتماعي، الذي يحرص بين تاريخية المعلومة ومشاهد الواقع المعاش باعتماد منهج علم الآثار الإجتماعي، مع حضور لافت للموروث الإبداعي الشعبي لكل المناطق التي كانت مسرحا للأحداث، فقد أتقنت الكاتبة فن تطعيم الرواية بمخزون هائل من نوادر الموروث الشعبي المحلي.
كل ذلك ممزوج بنفحة من النصوص الدينية المنتقاة بشكل دقيق تبيانا للفوارق بين المذاهب؛ خصوصا الحنفي والشافعي (مذهب السلطة العثمانية في مقابل مذهب فقهاء الأقاليم)، مع هالة من التراث الصوفي، ما أضاف بعدا فكريا في متن الرواية، إلى جانب التاريخ والسياسة.
يجد قارئ الرواية نفسه أمام لوحة بانورامية عن ملامح من الموروث الإنساني في حقول الفن والمعرفة والحرف والأمكنة وطرق المعيشة لأبناء المنطقة بتفاصيل دقيقة، ومن خلال كل ذلك تقدم سيرة حياة يحيى الكركي، التي ترمز إلى بدايات الأفكار التنويرية التي تسعى لحرية الإنسان على غرار شخصيات أخرى مغمورة في التاريخ (العز بن عبد السلام، ابن السلط السفياني...) لم تنل حظها حتى الآن.
وفي مستوى آخر تنبش الرواية في قضية قديمة حديثة، وهي في جوهرها قضية الحرية، والثمن الفادح الذي يدفعه الفكر المستنير والمختلف والقادر على إثارة السؤال، ودفع العامة للتفكير والتفاكر بصيغة "النحن" في السائد المألوف لديهم. فبطل الرواية رمز من الرموز الحاملة مصباح التنوير، وأحد رافضي التعصب والانغلاق المنتصر للاجتهاد، لا حيال النص الديني فقط، لكن حيال كل نص له سلطة على حياة الإنسان.
كما تقدم الرواية وجها آخر عن الأدوار الطلائعية التي كانت للمرأة العربية في التاريخ، وتحديدا في تلك الحقبة، من خلال كل الشخصيات النسائية الحاضرة بقوة في النص (مريم، نفل، جمان، هفوف، شهاوى...) ذات النفس الإيجابي الذي حفلت بها الرواية طيلة فصولها.
بقي أن نشير إلى أن الرواية رحلة توثيقية لا يستطيع القارئ المفاصلة فيها بين التأريخ والسرد، وهو ما انعكس على حجم الرواية الذي بلغ 450 صفحة، أمر علقت عليه سميحة بالقول: ".. ولكني وجدت هذا النص المحمل بالفكرة الثقيلة ليس لمجرد التسلي".