جواز السفر.. وجه آخر لقوة الدول وتاريخها

جواز السفر.. وجه آخر لقوة
الدول وتاريخها
جواز السفر.. وجه آخر لقوة
الدول وتاريخها

نادرا ما نهتم به في سائر الأيام العادية حين نتجول داخل الوطن، لكن بمجرد ما يهم أحدنا بالسفر خارج البلد، وعبور الحدود حتى يصبح على قائمة الوثائق المطلوبة لديه؛ إنه ذاك الكتيب الصغير المسمى "جواز سفر" (passeport).
يطلب جواز السفر عادة للسفر الدولي، فهو بمنزلة الوثيقة المتعارف عليها بين الدول للتأكد من هوية المسافر، ولكن ليس في كل الأحوال، إذ يمكن أحيانا الاستغناء عن هذه الوسيلة؛ فالمواطنون المنتمون لدول الاتحاد الأوروبي مثلا لا يحتاجون له للتنقل بين الدول التي تسري فيها قوانين الاتحاد، كما أنه أخيرا أصبح بمقدور مواطني الولايات المتحدة الأمريكية الذهاب إلى جمهورية المكسيك، كندا وحتى جزر الكاريبي دون جواز سفر. نفس الأمر يسري في الخليج العربي إذ لا يحتاج مواطنو هذه الدول لجواز السفر للتنقل بين دولهم بل تكفي بطاقة الهوية الشخصية.

#2#

تاريخيا، تتضارب الروايات من ناحية عن تاريخ إصدار أول جواز سفر في العالم، وفق المواصفات التي يعرف بها اليوم، لكن المؤكد أن هذه الأخيرة لا تتعدى قرنا من الزمن، وتحديدا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. لكنها أي الروايات تجمع على أن أول مرة استعملت فيه هذه الكلمة كان نحو 450 سنة قبل الميلاد، وذلك حين طلب أحد خدام بلاط ملك الفرس الإذن له بالسفر إلى خارج المملكة، فوافق الملك ومنحه خطابا إلى حكام ولايات ما وراء النهر يطلب منهم السماح لخادمه بالمرور في أمان على أراضيهم.
تزايد الاهتمام بالجواز عالميا خلال الحرب العالمية الأولى، مع ظهور رغبة لدى الحكومات الأوروبية بالخصوص لمنع أشخاص بعينهم من السفر للخارج، وفي ذات الوقت حماية لداخل تلك الدول من أعمال التجسس أو أي تهديدات أمنية، ما فرض الإلحاح في طلب جواز السفر عند الحدود في الجهتين (للدخول والخروج).
بالعودة للتاريخ دائما، نشير إلى أن أقدم جواز سفر بريطاني لا يزال محتفظا به في المتحف يعود تاريخ إصداره إلى 18 يونيو 1641، ووقع عليه الملك البريطاني آنذاك شارلز الأول. وجرت العادة على أن الملك هو من يوقع الجوازات إلى حدود عام 1794 حيث أصبح الجوازات تحمل توقيع وزير دولة التاج فقط.
بلغة القانون حديثا يعرف جواز السفر بأنه الوثيقة الرسمية للسفر، بموجبها تقر الدولة التي ينتمي لها المواطن صاحب الجواز. وتسمح هذه الوثيقة لحاملها بالدخول والمرور خلال الدول الأخرى. وعليه فجواز السفر مرتبط بصفة الحماية للشخص الحامل لها من قبل الدولة المنتمي لها ذلك الشخص، والحق بدخول أية دولة بصفته وجنسيته. وهنا وجب التنبيه إلى أن حق الحماية لا ينشأ من كون الشخص حامل لذلك الجواز، ولا من حق دخول دولة معينة، فكلا الحقين يأتيان فقط من قومية الشخص، فجواز السفر يثبت هوية حامله، وبالتالي حق دخوله وحق حمايته.
فرض تطورات الحياة المعاصرة استصدار السلطات لأنواع مختلفة من الجوازات، ونذكر من بينهما: "جواز السفر الخدمي"، "جواز السفر الخاص"، "جواز سفر الغرباء"، "جواز السفر الداخلي"، "جواز سفر الأعمال"، و"جواز السفر العائلي"... وغير ذلك من الأنواع التي لكل واحد منها تعريف محدد وشروط وأركان لا بد من استيفائها بغية الاستفادة من مزايا كل صنف على حدة.
وجبت الإشارة هناك فقط إلى أن "جواز السفر العالمي" الذي تصدره World Service Authority بناء على المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي يقضي بندها الثاني بأنه "لكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده". غير معترف به من قبل دول بعينها، وهي تحديدا كندا، نيوزيلندا، أمريكا، وسويسرا... إذ صرحت بعدم الاعتراف بهذه الوثيقة لأنها لم تصدر عن سلطة حكومية مختصة.
أما عن نظام جواز السفر الحديث بشكله الحديث (الكتيب) فقد حددت هذه المواصفات في مؤتمرات دولية عقدت في أعوام 1920 و1926 و1947. وكان المؤتمر الأول من أوصى بأن يكون جواز السفر في شكل كتيب صغير مكتوبا بلغتين على الأقل إحداهما اللغة الفرنسية، وأن يكون صالحا لمدة سنتين لا تقل عن سنتين، ويفضل أن تصل إلى خمس سنوات.
قبل سنوات تم إحداث مكتب الدراسات الدولي "هينلي آند بارتنرز"، لقياس مدى قوة جواز سفر ما، وذلك اعتمادا على مدى سهولة تنقل مواطني بلد ما نحو باقي دول العالم. ووفق أحدث تقرير له بداية هذا الشهر الماضي تصدر جوازا سفر كل من دولتي ألمانيا والمملكة المتحدة البريطانية التصنيف العالمي، حيث يستطيع مواطنوهما السفر إلى 173 وجهة حول العالم دون حاجة إلى تأشيرة (الفيزا)، تلتهما دول فنلندا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية بإمكانية سفر نحو 172 وجهة في العالم، فيما يستطيع مواطنو كل من الدانمارك وفرنسا وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية السفر إلى 171 دولة وإقليما.
عربيا جاء جواز السفر الإماراتي في رأس القائمة محتلا المرتبة 40 عالميا مع إمكانية السفر تجاه 114 دولة، متبوعا بجواز السفر الكويتي في المرتبة 63 ثم قطر في المرتبة 66، تلتها عمان في الرتبة 72، والسعودية في المرتبة 74، واحتلت تونس المرتبة 76 فالمغرب في المرتبة 82، فيما حلت موريتانيا في المرتبة 85 تلتها في الرتبة 91 مصر.
بادئ للعيان أن الخلافات السياسية والمخاوف الأمنية التي تغزو العالم العربي لها بالغ التأثير في حرية تنقل المواطنين بين مختلف الدول العربية، إذ تظل دون مستوى تطلعات هذه الشعوب التي بينها من القواسم المشتركة (التاريخ والدين واللغة...) الشيء الكثير، وفي انتظار أن يتغير الواقع على شاكلة ما هو عليه الحال بين الدول الأوروبية، نردد مع الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش أسطرا من قصيدته الرائعة "جواز سفر":
لم يعرفوني في الظلال التي
تمتص لوني في جواز السفر
وكان جرحي عندهم معرضا
لسائح يعشق جمع الصور
...
كل قلوب الناس جنسيتي
فلتسقطوا عني جواز السفر

الأكثر قراءة