اقتصاد سعودي جديد
النمو الذي حققه الناتج المحلي الحقيقي السعودي في الأعوام الخمسة الماضية، يمثل أساسا للحراك الاقتصادي الآني والمستقبلي. والمتوسط في هذه الأعوام الذي بلغ 5.2 في المائة، يعتبر مرتفعا، وهو ما أسهم في الأعوام المشار إليها، في تدعيم عملية التنمية الشاملة التي بدأتها المملكة، بما في ذلك تطوير البنية التحتية في البلاد، والعمل على تنويع أفضل لمصادر الدخل الوطني، إضافة طبعا إلى عديد من المشاريع التي تدخل في نطاق متطلبات المستقبل. ببساطة وضع هذا الناتج الكبير الذي بلغ 11.1 تريليون ريال خلال فترة خطة التنمية التاسعة، في النطاق الصحيح، الذي يضمن بناء صروح اقتصادية متناغمة مع متطلبات واستحقاقات المستقبل، إضافة طبعا إلى إنشاء ما يمكن اعتباره اقتصادا سعوديا جديدا، يتماشى مع هذه الاستحقاقات، بل المفاجآت التي قد تحدث على الساحة الاقتصادية.
وصول أسعار النفط في أقل من عامين إلى مستويات متدنية تاريخيا، قد يعد مفاجأة للبعض، لكنه ليس كذلك بالنسبة إلى المملكة، لماذا؟ لأن السعودية هي التي أطلقت عملية الإصلاح التاريخية للسوق النفطية، وتحملت انهيار الأسعار. وهذا الحدث التاريخي، زاد من وتيرة التحول الاقتصادي السعودي، نحو اقتصاد أقل اعتمادا على النفط، وأكثر تنوعا في مصادر الدخل، بما فيها سن سلسلة من التشريعات والقوانين التي تشجع الاستثمارات الأجنبية، بل تولي القيادة السعودية على أعلى مستوياتها مهمة تدعيم وتسويق هذا التوجه الاستثماري. هناك تحولات حقيقية على الساحة الاقتصادية العالمية، والاقتصاد السعودي يواجهها بمرونة واضحة، وهو في طريقه إلى مرحلة التمكين، التي تحتاج هي الأخرى إلى مزيد من الوقت.
كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز واضحا في خطابه الأخير حول الاقتصاد ومستقبله. بما في ذلك، حرص البلاد على رفع مستوى الناتج المحلي، وترسيخ دعائم التنمية الاقتصادية الشاملة، وتنمية القوى البشرية، ورفع معدلات توظيفها، وزيادة الإنفاق على البنية التحتية. إن ذلك كله يعني بصورة مباشرة وغير مباشرة، تشكيل اقتصاد جديد، ليس فقط بمصادره، بل أيضا بمفهومه العام. وعندما تضع المملكة نموا اقتصاديا بمتوسط سنوي يصل إلى 5.8 في المائة خلال خطة التنمية التاسعة الممتدة حتى عام 2019، فإن كل مصادر الدخل المتجددة ستكون مولدا لهذا النمو، خصوصا أنه هدف وضع في الوقت الذي تعاني فيه أسعار النفط في الأسواق العالمية انخفاضات حادة، بلغ توقع بعض الجهات الدولية، أن يصل سعر البرميل إلى ما بين 20 و25 دولارا، في العامين المقبلين.
وبصرف النظر عن سعر برميل النفط، سواء وصل إلى 20 دولارا أو عاد إلى 120 دولارا، فإن تدفق الإيرادات المالية يمكن أن يأتي من مصادر مختلفة غير النفط، وهو ما يجري تدعيمه على الساحة الوطنية في الوقت الراهن، في ظل خطة التنمية الواسعة والطويلة التي تجري على هذه الساحة. كما أن المملكة ماضية قدما في جعل النفط جزءا من الحراك الاقتصادي وليس كل الحراك، خصوصا في ظل وجود فرص حقيقية "لا وهمية" للتنويع، مع تصميم القيادة على التجديد الاقتصادي. وهذا التجديد كان منطلقا بالفعل حتى قبل انخفاض أسعار النفط، لكن ما يجري على الساحة النفطية العالمية، يمثل دفعة قوية نحو بناء اقتصاد سعودي جديد، يأخذ في الاعتبار كل الإمكانات السعودية لا بعضها. المشهد الاقتصادي العام في السعودية وغيرها من البلدان النفطية يتغير، وكلما كرست المملكة سياساتها الاقتصادية الجديدة، عوضت نقص العوائد النفطية، عوائد أخرى من مصادر أخرى. إنها مسألة وقت، لكنه لن يكون طوياً، لأن عملية التحول بدأت بالفعل، وتعاظمت أكثر بعد التحولات النفطية العالمية.