معضلة القطاع الخاص مع التنمية
نجحت السعودية في تحقيق النمو الاقتصادي المقاس بالناتج المحلي الذي استهدفته في خطة التنمية التاسعة وهو 5.2 في المائة، لكن هذا النجاح أتى بشكل أساسي من النفط، رغم أن خطة التنمية أكدت أهمية القطاع الخاص ودوره في النمو. تأتي خطة التنمية العاشرة لتؤكد مرة أخرى أن القطاع الخاص سيكون المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي لتصبح إسهاماتها في الناتج المحلي الإجمالي نحو 66 في المائة بنهاية عام 1444 هـ، خاصة أن خطة التنمية العاشرة تأتي مع انخفاض أسعار النفط ورغبة المملكة في التحول نحو الاقتصاد القائم على الصناعة والتقنية والابتكار.
من الواضح جدا أن مشكلتنا الاقتصادية ليست في اعتمادنا على النفط، فهذا جانب من الصورة بل في القطاع الخاص نفسه. لكن لا أحد حلل مشكلة القطاع الخاص بشكل عميق ولماذا لا يستطيع القطاع الخاص النمو بالطريقة الملائمة؟ القطاع الخاص في المملكة هو أكبر مستقطب للعمالة سواء كانت أجنبية أم سعودية، وهناك تحويلات ضخمة تتجاوز 100 مليار ريال، ورغم هذا فإن الإسهام يبدو ضعيفا بشكل لا يتناسب مع هذه الأرقام، كان من المفترض، وهذه هي الأرقام، أن يحقق القطاع الخاص قفزات في الناتج المحلي لكن ذلك لا يحدث، والسبب في أساسه أن الجميع لا يزال يعتمد على الحكومة في النمو الاقتصادي وليس في توجيه الاقتصاد. فالحكومة التي تمتلك آبار النفط هي صاحبة الإنتاج الرئيس الذي يحقق الثروة الأساسية للأمة، وخلاف ذلك يصبح مجرد تداول لهذه الثروة التي أنتجتها الحكومة، أي أن القطاع الخاص تحول إلى مجرد ناقل للثروة أو في أحسن الأحوال مضيف للقيمة لكن في هوامش السلسلة وليس فيما يحقق نموا حقيقيا للثروة في الأمة.
لهذا نحتاج إلى تحول رئيس في قدرة القطاع الخاص على إيجاد الثروة من خلال تضافر عوامل الإنتاج المتوافرة لنا، وفي اقتصاد كاقتصاد المملكة فإن هذا التحول لن يكون سهلا، فمن الصعب أن تورد الإبل على غير موردها الذي تعودت عليه، ويجب علينا لكي نحقق الهدف من خطة التنمية أن يتوقف دور الحكومة في ضخ الثروة عن طريق المشاريع وأن تتم إعادة النظر في طريقة تقييم المشتريات الحكومية وطرح المنافسات، وأن تأخذ الحكومة دورها في إنشاء المنشآت الصناعية الكبرى وخاصة في الصناعة التحويلية وفي الصناعة التي تعتمد على الابتكار، ومن ثم تقود مرحلة جديدة من التخصيص، كما يجب أن نركز على التنمية المتوازنة بشكل أكبر، وأن تطور كل منطقة من قدراتها الذاتية في بناء وتوطين وظائفها، ولا سيما أن القاعدة العلمية والتدريبية في كل منطقة مكتملة تقريبا.
وفي هذا كله فإن المرتكز هو القطاع المالي في المملكة الذي يجب أن يخوض غمار المخاطر في دعم القطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وعليه أن يشارك أكثر من خلال تقديم تمويل وتسهيلات واسعة النطاق تمكِّن من دعم القطاع الخاص وخاصة عند القاعدة.