رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الهوية الغائبة

ظل المتحاوران في البرنامج الجماهيري يرددان ما قاله نتنياهو وأوباما وبوتين وهيرتزوج وغيرهم من دبلوماسيي الغرب والشرق. الأكيد أن الاثنين ومعهما مدير الحوار لم يذكرا وجهة نظر أي سياسي أو مفكر عربي. دفعني هذا لاسترجاع الحال في برامج أخرى، لأجد أن الحال من بعضه. لقد فقدنا الثقة بأنفسنا ثم فقدنا القدرة في فكر ورأي وتصريحات مسؤولي العالم العربي.
قد يكون ما فعله المتحاوران من قبيل تأكيد سعة الاطلاع، لكنه يؤدي في النهاية إلى تقمص حالة غير حقيقية. أذكر أنه في أحد البرامج الحوارية أوقف المذيع أحد المتحدثين بقوله: "دعنا من أمريكا، تحدث عن الوضع عندنا".
يعاني كثير من المجتمعات العربية عقدة الاهتمام المتزايد بآراء الآخرين. يؤكد هذه الظاهرة أغلب ما نراه ونقرؤه في إعلامنا، وتجمعاتنا الرسمية وغير الرسمية، حتى لكأنها أصبحت الشغل الشاغل لكثير من البرامج الحوارية التي تطالعنا كل يوم بآراء في شبابنا وديننا وتعليمنا وغيرها من أساسيات الحياة التي نعيشها.
يحضرني في هذا المقام موقف سنغافورة عندما ثارت الصحافة الغربية عليها بسبب تطبيق عقوبة الجلد على أحد المواطنين الغربيين مع سجنه، بعد أن ثبتت إدانته بجرم يستوجب ذلك. قالت الحكومة السنغافورية وقتها بكل حزم إنها لن تتراجع عن تطبيق تشريعاتها رغم تلك الحملة، وعلى من يأتي جرما فيها تحمل النتائج القانونية.
ثم نجد كثيرين من أبناء جلدتنا يتبنون مفاهيم وتحفظات الغرب على شريعتنا وتطبيقها سواء في الحدود أو التعامل بشكل عام. هذه الإشكالية تزداد عمقا ورسوخا، خصوصا عند الفئات التي تدعي الثقافة والانفتاح. لعل المحاورين أعلاه من هذا الصنف، وغيرهما كثير.
هنا لا بد من وقفة منطقية تتجاوز إخفاقات الحاضر والهزيمة الفكرية التي وقع كثير من مثقفينا ضحايا لها، وقفة تستجلي الواقع وتنظر بحياد لأسباب وقوعنا في هذا المكان الذي يهرب منه ذو اللب. نظرية إعجاب المهزوم بالمنتصر قد تنطبق هنا، لكننا نحن من أرساها وعلينا أن نتجاوزها.
وقفة تبنى على حقائق تاريخية، أكدها تعاقب الأمم، ورسختها حوادث الزمن، أساس هذه الحقائق هو محاولة المنتصر الإبقاء على الخاسر تحت سيطرته إن اقتصاديا أو عسكريا، والأخطر فكرياً، لئلا تفقد الأمة هويتها فتصبح كمن حاول أن يقلد مشية غيره فنسي مشيته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي