على مر التاريخ .. عنف «الديمقراطية» واستبدادها أمران واردان

على مر التاريخ .. عنف «الديمقراطية» واستبدادها أمران واردان

ما نوع الاستبداد الذي يجب أن تخاف منه الأمم الديمقراطية؟ سؤال طرحه المفكر الفرنسي أليكسيس دو توكفيل (1805 - 1859) وأجاب عنه من خلال ما لاحظه وقت إقامته في الولايات المتحدة الأمريكية، معتبرا أن الحالة الديمقراطية للمجتمع، كما يعيشها الأمريكيون، قد توفر بنى استثنائية لتأسيس الاستبداد؛ إذ أدرك توكفيل لدى عودته إلى أوروبا، كم أن معظم من يحكمون قد استفادوا من الآراء والأفكار والاحتياجات الناشئة من هذا الظرف الاجتماعي نفسه لغرض توسيع دائرة سلطاتهم. وقد دفعه هذا الأمر إلى التفكير في أن الأمم المسيحية ربما ينبغي لها في النهاية أن تمر بحالة من الاضطهاد كالتي هيمنت على عديد من الأمم في العالم القديم.
ويضيف توكفيل في ملاحظاته: بعد تفحص أكثر دقة لهذا الموضوع، وخمسة أعوام من التأمل فيه، لم تتبدد مخاوفي، ولكنها غيرت هدفها. إن العصور الخالية لم تشهد ظهور حاكم يبلغ من القوة المطلقة حدا يمكنه من إدارة أجزاء إمبراطوريته الكبيرة كافة بالاعتماد على نفسه فحسب، دون الاستعانة بسلطات وسيطة، ولم يحدث أن حاول أحد الحاكمين أن يخضع رعاياه دون تمييز لمحددات أو ضوابط صارمة، وأن يقوم شخصيا بالوصاية على كل فرد من أفراد المجتمع وتوجيهه. إن مثل هذا النهج في التصدي لشؤون الحكم لم يخطر على أي ذهن بشري؛ ولو حدث ذلك فإن تنفيذ مثل هذا المخطط الضخم سيصطدم بالحاجة إلى المعلومات، وبعدم كفاية المنظومة الإدارية، وفوق ذلك كله: بالمعوقات الطبيعية التي يتسبب فيها عدم تكافؤ الظروف.
وعندما كان الأباطرة الرومان في أوج قوتهم كانت الأمم المختلفة ضمن الإمبراطورية لا تزال محتفظة بعادات وتقاليد متنوعة إلى حد بعيد، وكانت معظم المقاطعات تدار بشكل منفصل على الرغم من أنها كانت تخضع للتاج نفسه؛ وكانت البلديات الكثيرة تتمتع بالقوة والفعالية؛ وعلى الرغم من أن حكومة الإمبراطورية بأجمعها كانت في قبضة الإمبراطور وحده، الذي كانت له الكلمة الفصل عندما تقضي الحاجة، فإن ذلك لم يمنع بقاء تفاصيل الحياة الاجتماعية ومشاغل الناس خارج إطار سيطرته. ولا شك في أن الإمبراطور كان يمتلك سلطة هائلة لا يقف أمامها شيء سمحت له بتلبية نزواته كافة وتوظيف قوة الدولة لتحقيق ذلك، وكثيرا ما أساء استخدام السلطة بشكل اعتباطي ليحرم رعاياه من أملاكهم أو أنفسهم؛ وكان استبداده مرهقا جدا للبعض ولكنه لم يمتد إلى الكثير، وإنما انحصر ببعض الغايات الأساسية وأهمل ما تبقى. لقد كان حكم الإمبراطور عنيفا، ولكن نطاق هذا العنف كان محدودا.
وقد يبدو أنه إذا كان للاستبداد أن ينهض في الأمم الديمقراطية الحالية فلا يمكن أن يكون له ذلك إلا إذا اتخذ هيئة مختلفة، وأصبح أكثر شمولا واعتدالا، وحينها يمكنه أن يهين الإنسان دون تعذيب. وليس لدي شك في ذلك، ففي عصر يسود فيه التعليم والمساواة كعصرنا يسهل على الحاكم أن ينجح في مسعاه لإحكام قبضته على السلطة السياسة بأجمعها، وربما يقوم بالتدخل بشكل أكثر طبيعية وحزما في نطاق المصالح الخاصة، وذلك مقارنة بما كان بمقدور أي حاكم في العصور القديمة. ولكن مبدأ المساواة هذا الذي يسهل الاستبداد يؤدي إلى تلطيف ما به من قسوة. ولقد رأينا كيف أن تقاليد المجتمع تصبح أكثر إنسانية ووداعة بالتناسب مع مقدار ما يتمتع به الإنسان من مساواة وما أشبه. وعندما لا يكون أي فرد من المجتمع متمتعا بكثير من السلطة أو الثروة، فعندها لا يكون للاستبداد، وهذا ديدنه من قبل، أي فرصة أو مجال للتأثير. وكما أن الثروات قليلة، فإن من الطبيعي أن تكون رغبات الإنسان محدودة، ومخيلته مقيدة، وملذاته بسيطة؛ وهذا الاعتدال الشامل يفرض الاعتدال على الحاكم نفسه، ويلزمه بحدود معينة تحول دون التوسع الجامح لشهواته.
وبمعزل عن هذه الأسباب، يمكنني أن أضيف، وبالاعتماد على طبيعة الحالة الاجتماعية نفسها، كثيرا من الأسباب الأخرى التي تخرج عن نطاق موضوعنا، ولكنني سأظل ضمن الحدود التي وضعتها.
إن الحكومات الديمقراطية قد تصبح عنيفة، وحتى قاسية، في مراحل معينة من الغليان الهائل أو الخطر الداهم، ولكن أمثال هذه الأزمات يتصف بالندرة وقصر المدة. وعندما أنظر بعين الاعتبار إلى الرغبات التافهة لمعاصرينا، واعتدال طباعهم، ومستواهم التعليمي، ونقاء تدينهم، ودماثة أخلاقهم، وعاداتهم في الدين والعمل، والمحرمات التي يراعونها في الرذائل والفضائل على حد سواء، فعندها لن يكون هنالك ما يدعو إلى الخوف من تحول الحاكم إلى طاغية، وذلك لأنه سيكون حارسا لهم.
لهذا فإنني أعتقد أن أنواع الاضطهاد التي تخاف منها الأمم الديمقراطية لا تشبه أي شيء حدث في هذا العالم من قبل، ولن يكون بمقدور معاصرينا أن يجدوا نموذجا له في ذاكرتهم. وأنا أبحث دون جدوى عن تعبير ينقل بدقة الفكرة التي صغتها عن ذلك بأكملها؛ فالكلمات القديمة كالاستبداد والطغيان لا تناسب المراد، فهذا الشيء جديد كليا، وبما أنني عاجز عن تسميته، فسأحاول تعريفه. إنني أسعى إلى اقتفاء الملامح الجديدة التي يمكن للاستبداد أن يظهر بها في العالم، وأول ما يصدم المراقب هو العدد غير المحدود من الناس، المتساوين والمتشابهين، الذين لا يتوقفون عن السعي إلى تحقيق مباهجهم التافهة التي يملأون بها حياتهم. إن أي فرد منهم يعيش بمفرده غريبا عن مصائر الآخرين، والبشرية تعني له أبناءه وأصدقاءه، أما الباقون فهو قريب منهم لكنه لا يراهم، وهو يلمسهم لكنه لا يشعر بهم؛ إنه يوجد في ذاته ومن أجل ذاته فحسب، وإذا كان لديه أقرباء فلا يعود لديه بلد ينتمي إليه.
تهيمن على هذا النوع من الناس سلطة هائلة تقوم بالوصاية عليهم، وتأخذ على عاتقها مهمة حماية مباهجهم ورعاية مصائرهم. هذه السلطة تتصف بأنها مطلقة وتفصيلية ومنتظمة ومدبرة ولطيفة، وهي تشبه سلطة الأب حينما يكون هدفه، كما هو هدف هذه السلطة، متمثلا في تهيئة الطفل لدخول عالم الرجال، ولكنها تسعى، على العكس من ذلك، إلى إبقائه في طفولة دائمة، وهي مقتنعة تماما بأن الناس ينبغي أن يفرحوا، وذلك لأنها تعتقد أنهم لا يفكرون في أي شيء سوى الفرح. ولهذا فإن مثل هذه الحكومة تعمل على إسعاد الناس، ولكنها تقرر أن تكون الوكيل الأول والمسؤول الوحيد في هذه السعادة؛ فهي توفر لهم الأمن، وتشرف على تزويدهم بما يحتاجون إليه، وتسهل حصولهم على المباهج، وتدير شؤون همومهم الأساسية، وتوجه مجهوداتهم، وتنظم تداول الملكية، وتقسم المواريث؛ وبهذا لا يبقى للحكومة إلا أن تحمل عن الناس عبء التفكير والحياة؟
ويخلص توكفيل في ملاحظاته التي يؤخذ بها اليوم في كثير من الأطروحات والدراسات الناقدة لآليات الديمقراطية في أنه لا شك من صعوبة إدراك كيف يمكن لمن تخلوا كليا عن عادة الحكم الذاتي أن ينجحوا في الاختيار الملائم لمن سيحكمهم؛ ولا يمكن لأحد أن يعتقد أبدا أن حكومة حرة حكيمة نشيطة يمكن أن تنبثق من آلام شعب خاضع. "إن البنية التي يتكون رأسها من مبادئ جمهورية بينما يتبع باقي أجزائها مبادئ المَلَكية المتطرفة تبدو لي أشبه بمسخ لا يعيش طويلا؛ فرذائل الحاكمين وحماقة الشعب تؤديان سريعا إلى الدمار. وإذا سئمت الأمة من ممثليها ومن نفسها فستنشئ مؤسسات أكثر حرية أو تعود سريعا إلى رمي نفسها تحت أقدام سيد واحد".

الأكثر قراءة