الطاقة المتجددة .. المحور البيئي
حتى إن تأخر تنفيذ مشاريع حماية المناخ، أو تزايد مستوى التقاعس في الالتزام بالتعهدات التي تقطعها الدول على أنفسها، فإن التغير المناخي الناجم عن الاحتباس الحراري، أدخل ثقافته على الحياة منذ سنوات طويلة، وصار يفرض حقائقه على الساحة. فالمسألة ليست محصورة فقط في التزام الدول وتعاون المؤسسات والشركات الكبرى والمتوسطة معها في هذا المجال، بل تشمل أيضا الأفراد والشركات الصغيرة بل والمتناهية الصغر، بما في ذلك، النظرة المختلفة لهذه القضية من جيل إلى آخر. لقد أصبحت الأجيال الجديدة بمنزلة المرشد للأجيال إلى كيفية وضرورة حماية البيئة، ومواجهة التغير المناخي، من أجل من يعيشون الآن، والأجيال القادمة في الطريق. وقد التزمت المؤسسات التعليمية في البلدان الراشدة، بتقديم حماية البيئة، كمادة توجيهية ثقافية تربوية اقتصادية معيشية حياتية. أي أنها تخص كل شيء تقريبا.
ولهذه الأسباب وغيرها، ليس غريبا أن يرتفع حجم الإنفاق على مشاريع الطاقة البديلة أو النظيفة في العديد من البلدان، بما فيها الدول التي تتمتع بثروة من النفط الأحفوري. وأهمية الطاقة النظيفة لا تكمن فقط في توفير أعلى مستوى ممكن للبيئة، بل أيضا تقدم توفيرا ماليا مطلوبا على صعيد الشركات الإنتاجية والأفراد بالطبع. وتجمع التوقعات المختلفة على أن حجم الاستثمارات المتوقعة في غضون السنوات المقبلة في مجال الطاقة المتجددة ربما يصل إلى سبعة تريليونات دولار. وهو مستوى من الإنفاق كبير للغاية، كما أنه يدفع في الاتجاه الصحيح على صعيد محاربة الاحتباس الحراري وما يرتبط به من آثار سلبية خطيرة في البيئة المستدامة. والطاقة المتجددة تشمل كثيرا من الميادين، ولها فوائد كثيرة لا تحصى.
وعلى صعيد الطاقة بشكل عام، يرتفع الطلب على المحطات الكهربائية الذكية في البلدان الأوروبية وغيرها من الدول المتقدمة، ليس لمواجهة الاحتياجات الراهنة فحسب، بل أيضا لتكون جاهزة للتعاطي مع المتغيرات والحقائق التي ستظهر بهذا الخصوص في المستقبل. فكثير من البلدان يسعى إلى تشجيع استخدام الكهرباء على مختلف المستويات، ولكن تلك المتولدة من طاقة غير الفحم الحجري، لأن هذا الأخير يعتبر المخرب الأول للبيئة والمساهم المباشر في استفحال أزمة الاحتباس الحراري. ومع ارتفاع مستوى إنتاج السيارات الكهربائية التي تحظى بإعفاءات كثيرة لتشجيع اقتنائها، فإن الطلب على المحطات الكهربائية بات منطقيا أكثر من أي وقت مضى. خصوصا إذا ما عرفنا، أن بعض الحكومات الغربية تتجه إلى تشريعات للقضاء نهائيا على الفحم ومصادر الطاقة الأخرى المخربة للبيئة بشكل عام.
ومما لا شك فيه ستسهم الاتفاقات التي ستصدر عن قمة باريس العالمية للمناخ، في رفع مستوى الاستثمارات في الطاقة الأكثر نظافة، ولا سيما الكهربائية، حيث ارتفع الطلب، على سبيل المثال، على محطات الكهرباء الذكية في أوروبا أكثر من 168 مليار دولار. وهناك حراك ناشط جدا على الساحة الأسترالية من أجل الوصول إلى أفضل صيغة للبيئة عبر اتباع وسائل متجددة للطاقة. والواضح أن الطاقة الكهربائية تتصدر قائمة أنواع الطاقة حاليا من حيث النظافة، وإذا ما تراجع استخدام الفحم وحتى الوقود الأحفوري في إنتاجها، سترتفع الاستثمارات فيها. علما بأنه لا يزال هناك كثير من الخطوات التي يجب أن تتخذ لكي يصبح العالم في وضعية بيئية أفضل، بما في ذلك، ضخ استثمارات "أكثر كرما" في مجالات الطاقة المتجددة، وتلك الأقل تلوثا.
وأيا كانت النتائج التي تنتهي بها قمة المناخ والاجتماعات واللقاءات اللاحقة لها في الأشهر المقبلة، فإن العنوان الأمثل لمستقبل هذا العالم هو "استثمر بالطاقة المتجددة، من أجلك ومن أجل الأجيال القادمة".