الحرب العالمية على الاحتباس الحراري
لم يحظ مؤتمر أو منتدى أو تجمع عن البيئة وما يرتبط بها، بدعم وترحيب بما أنتجه، أكثر من المؤتمر العالمي للمناخ الذي عقد في باريس. إن هذا وحده يعد انتصارا لمن يؤمن حقا بحتمية العمل الفوري لحماية البيئة من خلال مقاومة الاحتباس الحراري، الذي ينتج عنه (كما هو معروف) التغير المناخي الخطير في أغلب مناطق العالم. وأهمية مؤتمر باريس لا تكمن فقط في مشاركة أكثر من 150 رئيس دولة، ولا عدة آلاف من المختصين في مجال البيئة والمخلصين لها، بل أيضا لأنه المؤتمر الوحيد الذي أصدر قرارات وتوصيات ملزمة قانونيا. أي أنه كان مؤتمرا للعمل لا للتمنيات أو تبادل الاتهامات بين المشاركين أو بعضهم حول من يخرب البيئة أكثر؟! ومن هو البريء والمتهم بل المدان.
اعترف العالم (ولا سيما البلدان المخربة بصورة كبيرة للبيئة)، بأن خرابا آتيا لا محالة من التغير المناخي، إذا لم تتخذ الإجراءات الفورية، يسندها كرم مالي لدعم المشاريع الفاعلة في هذا المجال، بما في ذلك توفير الدعم اللازم للبلدان الفقيرة في حربها ضد الاحتباس الحراري. 100 مليار دولار رصدت حتى عام 2020 للحد من الانبعاثات الحرارية، وهي ليست "ورقية" هذه المرة، بل حقيقية. ويبدو واضحا أن حكومات الدول الغنية عازمة هذه المرة على القيام بدورها كله لا نصفه ولا بعضه، ليس فقط من ناحية التمويل، بل أيضا من جهة الوصول إلى أهداف بيئية محلية مطلوبة عالميا. فالحرب على الاحتباس الحراري عالميا لا بد أن تسبقها حروب محلية. فبدون الثانية لن يكون هناك منتصر في الأولى.
كوكب الأرض في أزمة. أين الخبر في هذا؟ الجميع يعلم بأمر هذه الأزمة. وكان الكوكب يحتاج إلى عمل عالمي جماعي لمواجهة الأزمة، لا يوجد فيها متقاعس عمدا أو جهلا، ولا بخيل. لماذا؟ لأن الأضرار والمخاطر، لن تصيب البشر حسب جنسياتهم. هي من الجميع وعلى الجميع. البعض متسبب في التخريب البيئي أكبر، والبعض الآخر أصغر. أي أنه لا يوجد بريء في هذه الجريمة العالمية. وعلى الرغم من أن هناك من يرى، أنها باتت مستدامة، إلا أن المنطق يشير إلى أن الوقت ما زال متوافرا للملمة "الجراح البيئية". نعم، كان يجب أن تشن الحرب بكل الأسلحة المتاحة على الاحتباس الحراري منذ زمن، لكن الحضور الآن أفضل ألف مرة من الغياب. وعلى هذا الأساس، حمل مؤتمر المناخ في باريس معه كثيرا من الآمال وكذلك المخططات الواضحة والإرادة المطلوبة التي كانت حتى قبل أسابيع شبه غائبة.
لا مجال الآن لتثبيط الهمم، ولا سيما من قبل السلبيين الذين لا "يعجبهم العجب"، أو الرومانسيين الذين يريدون أن تحل المشكلة في جلسة واحدة. هناك إرادة دولية حقيقية، وراءها آليات ملزمة وفاعلة مشفوعة بقوانين جزائية. والعمل يبدأ حتى قبل أن ينتهي المؤتمر التاريخي في باريس. كما أنه لا يوجد مجال في الوقت الراهن (ولا حتى مستقبلا) للتأثيرات المحلية السلبية على العمل العالمي الهائل. الكل مشارك، وعلى الكل مسؤولية الخلاص من آفة لم تعد خطيرة، بقدر ما هي أداة حاضرة للخراب على كوكب الأرض. إن "انتصار باريس"، لن يكون كاملا ومضمونا قبل أن تظهر على السطح آثاره. وهي آثار لا تتطلب الإعلان عنها، بل سيراها الجميع حول هذا الكوكب.
إنها الفرصة الأكثر ملاءمة لإنقاذ الأرض. ولو ضاعت سيكون على العالم مواجهة عدو لن تنفع معه كل أسلحة البشر. إنها مسألة مصير لا تتعلق بأمة أو أمم، بل هي على عاتق البشرية كلها.