بذريعة تيسيره على «طلبة العلم» .. قرصنة الكتاب الإسلامي تجارة رائجة

بذريعة تيسيره على «طلبة العلم» .. قرصنة الكتاب الإسلامي تجارة رائجة

بعد أن خلا البحر تقريبا من "القرصنة" نتيجة اتفاقات ومعاهدات دولية. تعج اليوم أروقة وكواليس صناعة الكتاب والنشر بقراصنة يتحينون الكتب المرغوبة جماهيريا وأكاديميا للسطو عليها ثم نسخها وتقديمها للملأ دون حق ودون أدنى رادع من ضمير أو ميثاق شرف يميز الناشر الحقيقي عن المزور مع كثير من الادعاء والتبرير حتى لو اقتضى الأمر الرجوع لنصوص دينية وتأويلها بما يتفق وغاياتهم المشبوهة. ويبقى التعويل على صحوة ضمير، وتفعيل المعاهدات والمواثيق العربية والدولية لحماية الحقوق المادية والفكرية.

###صبر أيوب

كي تكون ناشرا تقول المروية القديمة: "لا بد لك من مال قارون، وخزائن يوسف وعمر نوح وصبر أيوب". هذه هي الحكمة المجربة والمعقدة التي يدركها كل من احترف مهنة النشر المتعبة مخلصا لها، بوصفه ناشرا للمعرفة وأمينا على ثقافة أمته. لا بوصفه بائعا للمعرفة ومتاجرا بثقافتها.

اليوم، وفي كواليس النشر العربي هناك من يردد آيات وأحاديث مثل "من كتم علما يعلمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار". العلم شهادة .. "ومن يكتمها فإنه آثم قلبه".
وغيرهما من النصوص الدينية. لا كي يشجع على نشر العلم وفق ضوابطه المادية والمعنوية الفكرية ولكن من أجل أن يبيح لنفسه ولغيره السطو على حقوق الآخرين بذريعة ضرورة نشر العلم وعدم كتمانه. فاستصدروا من أجل ذلك فتاوى تسند موقفهم. بل أمعنوا في طلب التبرعات والأموال من محبي فعل الخير لطباعة أعمال وبيعها أو توزيعها دون وجه حق. في اعتداء واضح وصريح على حقوق المؤلف والناشر.

"القوانين موجودة وبدأ كثير من الحكومات العربية ممثلة في وزاراتها الثقافية والإعلامية ملاحقة كل من يثبت تورطه في مثل هذه المخالفات" ولكن على الرغم من ذلك يضيف الناشر محمد صفوان. هذه الكتب لا تزال تباع بكميات كبيرة ومن قبل دور نشر معروفة أيضا. فالمسألة تتعلق بالضمير وبالرقابة الذاتية في المقام الأول.

وعن سبب تواطؤ بعض دور النشر المعروفة مع هذا الأمر يقول صفوان: السبب هو المال طبعا. فوجود هذه الكتب المزورة بأسعار رخيصة يثير شهية الناشر والقارئ على حد سواء. الأمر الذي يدركه ويعمل عليه قراصنة الكتاب. فهم لا يختارون كتبهم اعتباطا بل يدرسون جيدا طلبات القراء ورغباتهم قبل اقتناصهم كتابا أو مجموعة بعينها.

###سطو "مدروس"

الكتب التراثية المحققة والموسوعات أو المجلدات المتسلسلة المصنفة بوصفها "أمهات الكتب" إضافة إلى سير الأعلام والتفاسير الدينية والفقهية. التي لا غنى لكثير من المكتبات الشخصية أو العامة الناشئة عنها، هي الأنواع المفضلة غالبا لدى مزوري الكتاب وقراصنته. فهي من الكتب المطلوبة باستمرار على المستويين الأكاديمي المختص والشعبي الراغب في الاقتناء. وهي مناسبة أيضا بالنسبة للمزورين لطلب التبرعات مدعين بأن توفيرها يأتي من باب التيسير على"طلبة العلم". وهنا يجتمع لقراصنة الكتاب التوفير والكسب من جهتين فلا هم تكلفوا حقوق النشر الأصلية ولا حتى قيمة طباعة هذه النسخ المزورة وفي الوقت ذاته يتكسبون من عوائدها ربحا صافيا.

"يظن البعض أن هذه النوعية من الكتب لقدمها تصبح حقا مشاعا". وفي هذا مغالطة كبيرة بحسب الباحث الدكتور عبدالله الشامان. فكثير من هذه الكتب يحقق باستمرار عبر دارس أو أكثر إما عن طريق جامعات ومراكز أبحاث وإما عن طريق دور نشر مستقلة وفق خطط بحثية كلفت الكثير من المال والجهد والوقت.

"إنهم يسطون على المهنة أيضا، وليس على الكتاب أو الحقوق فقط، وبادعاءات مختلفة". يقول الناشر أحمد الخطيب. صناعة النشر امتلأت بالسماسرة والدخلاء حتى أصبحت مهنة من لا مهنة له. ليزيد ذلك من أزمة الكتاب ومشاكله. إذ إن قطاع النشر صمام الأمان في صناعة الكتاب ويلزمه إحساس بالمسؤولية تجاه قضايا الفكر والمعرفة، يضيف الخطيب، ولن تكفي القوانين لتنظيم معاملاته - وإن كانت تساعد - طالما لم يتم تقنين الانتماء لهذه الصناعة بالأساس.

الجدير ذكره، أن هناك فتوى تحرم هذا الفعل صادرة عن مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي تاريخ 1988/12/15 تعنى بشأن "الحقوق المعنوية". لتسقط بذلك الفتاوى التي يتذرع قراصنة الكتاب بها لتغطية كسبهم الحرام، إذ جاء فيها: "حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها".

فضلا عن الاتفاقية الدولية لحماية حق المؤلف المنعقدة في التاسع من أيلول (سبتمبر) عام 1886، المعروفة بمعاهدة برن الدولية لحفظ حقوق المؤلفين (وقعت عليها كل من سويسرا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وإيطاليا، ثم انضمت إليها دول عديدة). كما قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو)، بإعداد الاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف. والدول العربية كلها مدعوة للتوقيع على هذه الاتفاقية والمصادقة عليها، ليتاح لأي بلد أو ناشر متضرر ملاحقة المعتدين في أي بلد ووضع حد لمثل هذه الخروقات من أي جهة كانت وتحت أي ذريعة.

الأكثر قراءة