حضور المرأة سياسيا .. ثمار جهد طويل فاتحته التعليم

حضور المرأة سياسيا .. ثمار جهد طويل فاتحته التعليم
حضور المرأة سياسيا .. ثمار جهد طويل فاتحته التعليم

هنالك أسباب عديدة تجعل من المهم للغاية أن نتنبه إلى الفرق بين الرؤية المحلية للمرأة والرؤية العالمية أو الكونية للمرأة، أمام واقع ازداد تشعبا، من حيث الالتزامات الأسرية والاجتماعية وأمام الحاجة الملحة إلى إعادة هيكلة الوعي العربـي لضرورة تحفيز الدور الاجتماعي للمرأة، على أساس أن البناء لا يكون إلا بوعي يشمل المرأة، وبفهم، بشكل أوسع بناء، لانتمائها إلى فضاء كوني يعي خصوصيتها وقدرتها على المساهمة الفاعلة في نحت معالم أسرة معاصرة واقتصاد ديناميكي.

ووفقا لما يطرحه كتاب"الفلسفة والنسوية"، تأليف كوكبة من الباحثين، إشراف وتحرير الدكتور علي عبود المحمداوي، الصادر عن منشورات الضفاف للنشر والتوزيع فإن هذا الإدراك ضرورة تمليها على الأمم، خاصة العربية منها ألا تلغي الالتزامات التي تنبع من روح كونية إنسانية، أساسها أن المرأة عنصر يبدع في المعرفة وأن لها من المساهمات الأدبية والفكرية والتوجهات السياسية ما يدعم القول إن كل ما تبنى عليه قرارات ذكورية إنما هي حياكة نسوية. ولنضرب مثالا على ذلك. فقد لعبت المرأة دورا كبيرا في تاريخ الإنسانية، حيث أصبحت مثالا في الدراية والتدبير، مثل زنوبيا، وعليسة اللتين أدارتا شؤون المدينة بحنكة سياسية تعبر عن دراية فكرية وحسن تدبير.

إن الكلاسيكيات الغربية والعربية حافلة بنماذج نسوية، شقت طريقها رغم المخاطر. وهي نماذج تذكر لأن الحضور فعل وممارسة. والسبب أيضا في ذكر هذه النماذج هو الوقوف على القيمة المعرفية وأن وضوح الفهم له أهمية في ذاته وأن له آثارا بالغة في الذاكرة والأفعال.

#2#

وعلى سبيل المثال، عندما نرى بعض الجمعيات النسوية التي تقوم بنشاطات اجتماعية وسياسية، فإنها تحاول توسيع قاعدة الفهم والتوعية حتى تدفع فكرة الفشل والسلبية التي وصفها بها الرجل.

وعلى الرغم من الاحتجاجات المتواصلة والتصدي لكل جهد نسوي، فإن الحضور والفعل يبقيان عقيدة للمرأة حتى ترفع عنها الظلم وتصبح المرأة العربية، حاضرة، لا مكملة للمشهد، بل فاعلة فيه.

إن هذه المعركة ضد تسييس حضور المرأة، الذي جعل من المرأة ورقة للزج بها في أتون المهاترات السياسية وجب أن تكون معركة قيمية بالأساس، يعني أن تكون المرأة واعية، كما وعت بحاجتها إلى الفنون والعلوم. فإن صراعها السياسي هو صراع فكري بالأساس، حتى لا تبقى وجهة للاستقطاب الذكوري وحتى ترفع عنها الوصاية.

ليس الهدف من هذا الصراع، بحسب الكتاب، هو نفي النفي، بقدر ما هو إعادة للتوازن.

وحتى نفهم بشكل أوفى ما يجري داخليا في بلداننا وفي حركة التاريخ، وحتى نفهم بصورة شبه كاملة التطورات الثقافية والفكرية الجارية، حتى نجد مواطن الخلل في أحكام مسبقة، فمن المهم أن نعرف ونفهم بنية الديانات والمجتمعات التي تخوض صراعات دينية وسياسية في إطار مجتمع مدني، وعلى سبيل المثال خاضت المرأة الغربية، صراعات في إطار حقوق الإنسان، حيث أدت عملها بنجاح كبير في كثير من المستويات، شجاعة والتزام "المحاربين" ساندها في ذلك ذوو العقول المتفتحة لقضايا المرأة ولأسس المجتمع المدني، ووجود كيان سياسي تفطن لدور المرأة أثناء وبعد الحروب العالمية، ما جعلها تخوض غمار السياسة والحروب.

الأهم من كل هذا، وليس آخرا، هو فاعلية وسائل الإعلام في لفت الانتباه إلى ما يعتبر مخالفة لحقوق الإنسان وانتهاكا للأصول المدنية والواقع. إن المشهد العربـي في بعض منه يتجاهل هذه الحقوق وهذه القيم الكونية التي تقر بحقوق المرأة كفاعل نشيط.

وما يثير لدينا تساؤلات عدة أساسها ما قيمة حقوق الإنسان كدستور سياسي كوني داخل أنظمتنا العربية وما الذي يجعل منا مواطنا كونيا؟

إن معرفتنا بكل هذه الإحراجات والتساؤلات لا تقلل بأي حال من الحاجة إلى التعامل الندي مع "الآخر"، إذ إن التوجه نحوه ليس إلا تذليلا لعقبات، وأخطرها التعصب. فمن الأهمية بمكان أن نتنبه إلى أن التعصب آفة اجتماعية تغذي الطبقية والفوارق النوعية والاجتماعية وأن كل الخوف متأت من النفوذ غير المتكافئ الذي يتمتع به الرجل كان نتيجة رعاية موصولة في أغلب الأحيان من الدولة.

ليست المرأة نشازا ولا مكملا، ولكنها في صدام مع بيئة تسودها الأصولية والأيديولوجيات السياسية. فكانت أرضا خصبة لإنتاج وعي رجولي متطرف صدر قيما تدعي الكونية.

وهذا الأمر وجب التنبيه إليه والحذر منه. إن الكونية إنسانية بالأساس تدعو إلى التواصل والتسامح والاعتراف المتبادل. هذه القضايا الجوهرية لا بد من تناولها على كثير من الأصعدة والدعوة للإصلاح والضغط من أجل الحقوق والديمقراطية وإعطاء مزيد من الحرية لتكون المرأة في مواقع القرار. لا بد من الإشارة إلى أن الثقافة لها دور مؤثر. ولكن السؤال المؤثر والحقيقي هو بأي طريقة يكون للثقافة دورها المؤثر؟

إن حبس المرأة داخل صناديق الثقافة الصلبة والمنفصلة عن الواقع المعيش وعن الإطار الحضاري، حيث التجارب المختلفة والإنجازات النسوية، هو ما يؤرق المرأة حقا، لأن هذا الحبس داخل إطار ثقافة ذكورية لا يأخذ سوى نظرة شديدة الضيق ولا يمكن أن تقدم إلا فهما شديد المحدودية لخصائص المرأة العربية. فعندما يجتمع وعي ذكوري ضبابـي مع واقع حتميته تصورات رجعية متخلفة يصبح الراهن سجنا ويطلب من المرأة حقيقة أن تكون عبدا خياليا لقوة وهمية.

لا شك في أن إرثنا الثقافي يمكن أن يكون له التأثير الكبير والهائل في شكل صورة المرأة وسلوكها وفكرها. كذلك نوع الحياة التي نعيشها بعقدها ومخلفاتها الاستعمارية هذا التمايز والمفاصلة والفجوة الحاصلة.

إن الهوية الأنثوية يمكن أن تكون عظيمة الأهمية، لكنها لا تقف في تصلب وحدها، معزولة عن التأثيرات الأخرى في فهمها لقدرة النساء على التفكير والمساهمة في المسار الاجتماعي والتاريخي للإنسانية. إذ إن هناك عديدا من الشروط التي وجب أن تتوافر، بينما نعترف نحن بتأثير ثقافة الرجل في حياتنا وأعمالنا. أولا، بقدر ما أسهمت الثقافة والتربية في تهذيب السلوك، فإن عليها أن تحسن النظرة للمرأة، إذ الثقافة عنوان الشعوب وتحضرهم.

وهنالك أشياء أخرى وجب أن يضمحل تداولها الخاطئ مثل العنصر، والنوع، والطبقة، والسياسة لما لها من دور شديد ومؤثر في توجيه الرأي العام.

والحق أن الدفاع عن حقوق المرأة يظل حجة قائمة على أن الحرية الثقافية تصير شرط إمكان بناء مجتمعات مدنية، إذ لا شيء يمكن تبريره باسم الحرية من دون أن يكون لدى الناس فرصة لممارسة تلك الحرية والتفكير بمعزل عن كل سلطة "ذكورية". فكل انتهاك لهذه الحرية يمكن أن يكون طغيانا وبالتالي فصلا وإقصاء للمرأة من مملكة الإبداع.

لعل ما تقوم به اليوم النسوة في كل مجالاتها ليس إلا دليلا على أن للتعليم دورا رياديا في صحوة المرأة وأن إسهامها اليوم ليس إلا "وعيا" منها بأن قدراتها الفكرية والمعرفية هي التي بوأتها مناصب سياسية واجتماعية متقدمة، وهو ما يجسد دلالة الديمقراطية الكونية التي تلتقي على أن الإنسان مهما كانت انتماءاته أو جنسه هو خاضع لقيم اجتماعية تنظمه وتحفظ له حقوقه المدنية.

ولا يعني ذلك أنني أريد الإيحاء بأن مشكلات التحيز للمرأة هي خرق لقوانين أو لنواميس، وإنما هي كشف لكل لبس أسهمت فيه بعض الأفكار الأصولية والرجعية التي أصبحت جزءا لإنتاج العنف والتعصب، فكانت المرأة ضحية له.

ولكن أردت القول إن فرصة تعهد العقل والتعرف على الحاجة إلى اختيار موقف مدقق والإقرار بالمشكل ليس في العقل، وإنما في كيفية استعمال العقل. وإن تنبيهنا للمخاطر لهو فعل العقل عينه، وأن المرأة قادرة، كما ذكرنا سابقا، على الإسهام لا في مجال المعارف والشعر، ولا في مجال السياسة، والأمثلة على ذلك كثيرة، فحسب، بل إن حسن التدبر والنقد والشك ليست وسائل رجولية فقط. فمن غير المنصف للنوع والجنس أن نقول إن المرأة لا تفكر، ومن غير المنصف القول لهن "هذه هي هويتكن، وهذا هو كل ما ستحصلن عليه".

إجمالا، يصل البحث، إلى أن الحركة نحو المدرسة تعكس رؤيتنا حول المرأة لتثبت أنها جديرة بالتميز حتى ترفع عنها ونصحح مسارها أمام كل محاولات شدها إلى القاع. فالمرأة موشور أو هي مشكاة أنوار أطرافها وجدان ومعرفة، فكر وقدرة، وتحد واقتدار أيضا.

فهي كغيرها من الكائنات جدل بين قوة وضعف وأن سر قوتها في ضعفها. ودون مبالغة شديدة، لقد أحسنت المرأة استعمال كل القدرات وإن كانت بسيطة لتسجيل حضورها. والفضل في ذلك لوجود التعليم الذي أعطاها فرصة لتعبر عن طاقاتها وقدراتها اللامحدودة، وأن إعمال العقل بما يشمل الفحص المدقق والنقدي، أثبتت من خلاله قدرتها على المقارعة وعلى الكتابة في شتى الضروب.

الأكثر قراءة