تأريخ «حقوق الإنسان» .. احتكار الأقوى وتغييب الآخر
احتفلت الإنسانية بحر هذا الأسبوع – 10 كانون الأول (ديسمبر) – بالذكرى الـ 67 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مناسبة لاستعادة محطات خالدة من نضال البشرية من أجل هذه الحقوق، والتأكيد بالموازاة على بذل المزيد من الجهود لتسود في كل جهات العالم الأربع، وبالقدر نفسه الفاعلية والفعالية بين بني البشر.
«احتكار» الحقوق
نجدها فرصة كذلك للوقوف – ولو على سبيل العجالة - عند بعض الأسئلة التي تعترض سبيل الباحثين والمناضلين على السواء كلما طرح موضوع حقوق الإنسان للتفكير والتفاكر، أسئلة نثيرها لا من أجل إنكار أو رفض هذه القيم الإنسانية المثلى؛ الرامية إلى حفظ وصون كرامة الإنسان لأنه وببساطة إنسان قبل أي نعت أو وصف آخر. بل بغية التأمل فيها، وإعادة النظر في بعض "المسلمات" التي تسعى إلى احتكار ملكية هذه الحقوق، ونسبتها إلى حضارة أو عرق أو شعب دون باقي البشر.
يحظى موضوع التأريخ لحقوق الإنسان بشبه إجماع حول مساره في أوساط الباحثين - عربا وغربيين - فلحظة انبلاج الفكرة في تاريخ الإنسانية لا تبرح عندهم ثلاثا؛ إعلان حقوق الإنسان والمواطن عقب الثورة الفرنسية عام 1789، أو قبله بقليل مع إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية - وأفكار الآباء المؤسسين وعلى رأسهم توماس جيفرسون- عام 1776، وفريق ثالث يذهب أبعد قليلا من ذلك إلى حدث إصدار التاج البريطاني لوثيقة الماجناكارتا سنة 1215.
#2#
هذا عن التأريخ، أما عن التنظير فالأفكار المتداولة بين الباحثين والمشتغلين بالموضوع لا تعدو أن تكون تركيبا لتطور النقاشات في الحاضرة الأورو - لاتينية، فحقوق الإنسان المنتشرة في كل مكان في الوقت الحالي لا تستوعب تاريخ البشرية قاطبة بل فقط الأفكار اليونانية عن الإنسان الفرد، والنظرية الرومانية عن القانون والحقوق، والمذاهب المسيحية في النفس البشرية ... فأين إذن إسهامات باقي الحضارات العريقة؟
تجاهل مقصود
هذا السؤال الإشكالي غالبا ما حظي بالتجاهل إلا من طرف قلة قليلة عمدت إلى حفريات عن تطور فكرتي الحق والقانون في تاريخ الإنسانية الممتد والطويل، ما أهلها؛ أي هذه القلة من الباحثين، للوقوف عند بعض المناطق التي لا تزال غامضة في مسار التاريخ الفكري لهذه الحقوق، التي تحولت في "لحظة تاريخية ما" وعقب مصادرات إلى بديهيات ومسلمات غير قابلة لنقاش أو الجدل بخصوصها أو حولها.
أليس ضربا من المخاطرة احتكار ملكية تاريخ البشرية وتطورها في مدرج المدنية والتحضر، ونسبته إلى عرق (الأوروبي) أو عقل (الغربي) دون البقية، ونكاد نجزم أن تاريخ حقوق الإنسان اليوم هو تاريخ الحضارة الغربية، وعليه نتساءل ألم تقدم الحضارة البابلية، والآشورية والديانة الهندوسية وكذا البوذية وقيم الإسلام إسهامات في هذا المجال؟ ألم يعش هؤلاء داخل الاجتماع البشري، الجواب طبعا بلى. فكيف إذن كانت الأمور تسير بينهم؟ وعلى أي قواعد ومنطقات ينتظمون؟ أكيد أن شريعة الغاب لم تكن سائدة بينهم، والدليل الإرث الحضاري الزاخر الذي خلفته لنا في مجالات عدة.
فبما نفسر إذن التبلور المفاجئ لادعاءات بزوغ شمس حقوق الإنسان في نهاية القرن الثامن عشر؟ أكيد أن الجواب ارتباط هذه الحقوق بثلاثية: الطبيعية (أصيلة في الإنسان) والمساواة (واحدة للجميع) والعالمية (قابلية التطبيق في كل مكان) التي ارتبط هي الأخرى بالتعبير السياسي الذي لبست لبوسه عقب الإعلانات السابقة (استقلال أمريكا، حقوق الإنسان والمواطن).
عالمية الحقوق
غير أن مثل هذا القول فيه الكثير بعيد عن الموضوعية وفي طياته الكثير من الانحياز، إذ داخل سجلات التاريخ الأوروبي عديد من الشواهد والأسماء التي تثبت عكس ما يذهب إليه. فقبل أن يعلن الأمريكيون والفرنسيون حقوق الفرد والمواطن والإنسان فيما بعد، عاش المؤيدون البارزون لفكرة عمومية وشمولية وعالمية هذه الحقوق على هامش السلطة المركزية لهذه الدول. ولعل هذا التهميش هو نفسه ما مكن عددا من المفكرين الهولنديين والألمان والسويسريين من أن يكون لهم قصب السبق في المناداة بعالمية هذه الحقوق في وقت مبكر جدا.
في هذا السياق، نشير إلى مفكر هولندي مغمور يسمى هوجو جروشيوس () دعا عام 1625 إلى فكرة أن هذه الحقوق قابلة للتطبيق على كل أفراد الجنس البشري، ولا تقتصر على بلد واحد بعينه أو فئة معينة، وقد عرف "الحقوق الطبيعية" آنذاك بأنها شيء مملوك ذاتيا وبمقدور الناس استخدامها لإرسال الأسس التعاقدية للحياة الاجتماعية.
الفكرة ذاتها أي عالمية الحقوق دافع عنها تلميذه الألماني صامويل بوفندورف () أول أستاذ جامعي في القانون الطبيعي بجامعة هايدلبيرج ضمن كتاب له بعنوان "التاريخ العالم لتعاليم القانون الطبيعي" الذي نشر سنة 1678. وصل صدى الفكرة السويسريين أواسط القرن الثامن عشر مع أستاذ القانون في جنيف جان جاك بور الماكي () الذي جمع كل تلك الآراء والأقوال في كتابه "مبادئ القانون الطبيعي".
طبعا سرد هذه المحطات من التاريخ، كان بهدف إبراز حيف ولا موضوعية التأريخ لتطور فكرة حقوق الإنسان بين الأوروبيين أنفسهم، وداخل السياق الحضارة الأوروبية عينها فكيف إذن لنا أن نطلب من هؤلاء أن يكون أمناء ومحايدين في تعاملهم مع تاريخ باقي الشعوب والحضارات، وعلى رأسها الحضارة العربية الإسلامية التي كانت في أوج أنوارها في حقب كانت أوروبا تعيش على وقع البربرية والتوحش والظلمات ويحكمها قانون الغاب.
المقال ليس لاستعادة الأمجاد والبكاء عليها بقدر ما هو دعوة إلى إعمال العقل النقدي الخالص، والبحث في نتوءات من تاريخ الإنسانية لا يزال الضباب والغموض يلفها بغية الكشف عن حقائقها واستغلاء غموضها، حتى لا نردد وراء التصريح الذي قدمه واضعو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول (ديسمبر) لعام 1948: "نحن متفقون على هذه الحقوق شريطة ألا يسألنا أحد لماذا؟".