«سمة» للتصنيف.. الأهم استقلاليتها

مع اقتراب بدء وكالة سمة السعودية للتصنيف الائتماني عملها، فهي تسجل أنها الأولى من نوعها في المملكة، بل في العالم العربي. وهذه خطوة تتواءم تماما مع حجم وقيمة الاقتصاد السعودي، بل محوريته الإقليمية والدولية. ومثل هذه المؤسسات جديدة على المنطقة، لكنها قديمة على الساحة الدولية. لكن العالمية منها مرت (كغيرها) من المؤسسات الاقتصادية بمطبات كثيرة بل خطيرة، ولا سيما في الأعوام التي سبقت انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية. بعض الجهات الدولية حملت وكالات التصنيف مسؤولية الأزمة نفسها، لأنها لم تكن على قدر المسؤولية في إطلاق التصنيفات. وهناك من "غمز" بتآمرها مع المصارف والمؤسسات المالية الكبرى، من أجل حصول الأخيرة على تصنيفات مرتفعة، في حين كانت أول المؤسسات التي انهارت مع شرارات الأزمة وقصفها.
أمام وكالة سمة السعودية مهمة كبيرة وحساسة، لأن عملها يتضمن تصنيف جميع الشركات، وإصدار التقارير السيادية عن وضع السوق السعودية، والصناديق الحكومية، وتصنيف الصكوك والسندات، والديون السيادية. وفي مرحلة لاحقة، يمكن أن تخوض غمار تصنيف الاقتصادات الأجنبية أيضا، خصوصا إذا ما أثبتت حرفيتها، والأهم استقلاليتها. وهذه النقطة الأخيرة لا تزال تمثل مشكلة على الساحة العالمية، إذ ترى حكومات غربية أنه لا يمكن أن تقوم مؤسسات بتصنيف مؤسسات أخرى تحصل منها على أجورها. وهذه الحكومات باتت تطرح هذه المسألة، في أعقاب سلسلة من التصنيفات اعتبرتها غير واقعية. وقد وصل الأمر بوكالات التصنيف العالمية، أن طلبت من الحكومة الأيرلندية (على سبيل المثال) تغيير وزراء فيها! وهو شيء لم يكن مقبولا بأي صورة لا من دبلن ولا حتى من العواصم الغربية الأخرى.
وأخيرا، أقدمت وكالة ستاندرد آند بورز العالمية، على خفض التصنيف الائتماني للمملكة، وقد ظهر جليا تسرع الوكالة في إطلاق التصنيف الجديد، الذي أبرزه بوضوح تصنيفات من وكالات عالمية أخرى أبقت على المستوى الائتماني للسعودية في غضون أيام من التصنيف الأول. ببساطة هناك مطبات موجودة دائمة في هذا المجال. ووكالة سمة تعرف هذه الحقائق قبل غيرها، ولهذا السبب فإنه يمكنها الاستفادة من سقطات الوكالات العالمية. ولعل من أهم أعمال الوكالة السعودية الأولى، أنها ستنفذ برامج توعوية وورش عمل مع عدد من الجهات، للوصول إلى الآليات المناسبة لأعمالها. أي أنها لن تكون جهة تقييم فقط، بل إرشاد أيضا. وهو أمر يوفر إضافة جديدة للحراك الاقتصادي السعودي، مع توسع نطاقاته، وفتح أبوابها بصورة أكبر.
التزمت "سمة" الصمت حاليا، والسبب مهني من الدرجة الأولى، لأنها تنتظر استكمال كل المتطلبات الرسمية والرقابية. وهذا يعبر عن مسؤولية كبيرة، على الرغم من أنه من المتوقع أن تبدأ أعمالها فعلا في غضون ثلاثة أسابيع تقريبا. لكن الأمور تسير رسميا بصورة طبيعية، وستدخل "سمة" السوق برؤى جديدة وأخرى متجددة، لأن هذا الميدان الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الاحترافية والاستقلالية، يشهد ولادة كثير من المستجدات، خصوصا في ظل اقتصاد عالمي غير مستقر وهش، مما ينعكس على أي جهة تقوم بدور اقتصادي محلي بصرف النظر عن حجمها وهويتها. لقد جاء حضور "سمة" على الساحة في الوقت المناسب، ودورها مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، ولا سيما مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد المحلي، والتي تشكل في طبيعتها اقتصادا جديدا يختلف عما كان سائدا في الماضي.
إن عمل وكالات التصنيف لا يمكن أن يكون إلا بناء، ومن دون هذه الحقيقة، فإنه سيسهم في الإرباك، وأحيانا في الفوضى. و"سمة" قادرة من خلال التحضير واستقطاب الخبرات على أن تكون ليس على الساحة السعودية فحسب، بل أيضا على الساحتين الإقليمية والعالمية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي