الوهم الاقتصادي الإيراني
تعيش إيران حاليا ما يمكن تسميته بـ"الوهم الاقتصادي"، وهو قائم على أحلام أكثر مما هو واقع، وتمنيات أكثر مما هو حالة ملموسة. ومما لا شك فيه، أن النظام الإيراني نسي الحقائق الاقتصادية في زحمة البهجة بالاتفاق النووي الذي أبرم مع الغرب. فلم يكن أحد يتوقع أن يتم التوصل إلى هذا الاتفاق، ولكنه أنجز على الرغم من وجود أطراف غربية موقعة عليه، لا تزال تعيش حالة من الشك حول النيات الإيرانية النووية، وآفاق العمل مع طهران على صعيد المراقبة عليها في هذا المجال على وجه الخصوص. والحق أن الغالبية العظمى من القوى الغربية سارعت لإنجاز الاتفاق، لأن الطرف الأمريكي الأهم يريد ذلك، لا لأن النظام الإيراني يستحق اتفاقا ما.
وبعيدا عن مسببات الاتفاق، والرغبة الأمريكية الصادمة للتوصل إليه، حاولت حكومة حسن روحاني طوال الأشهر التي سبقت، وتلك التي تلت الاتفاق، تسويق أن الاقتصاد الإيراني سيحقق قفزات نوعية حقيقية، وأن أعين الشركات والمؤسسات الاستثمارية الأجنبية تتجه إلى إيران، وأن الوضع الاقتصادي المحلي بشكل عام سيتحسن بوتيرة سريعة. وقد زادت الصورة وهما في الأشهر القليلة الماضية عندما شاركت إيران في عديد من المناسبات الاقتصادية العالمية، بل استضافت بعض الفعاليات التي تدخل في نطاق المعارض. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فما دمر على الصعيد الاقتصادي سواء من سوء الإدارة أو بفعل العقوبات الدولية التي كانت مفروضة، لا يمكن إعادة بنائه في فترة زمنية قصيرة، دون أن ننسى الأعباء المالية التي ترزح تحتها البلاد.
ولهذه الأسباب وغيرها، يمكن فهم إحجام المصارف العالمية الكبرى عن الاستثمار في الاقتصاد الإيراني، رغم كل حملات التسويق الإيرانية الفاضحة. فالنظام المصرفي في إيران يحتاج إلى إعادة بناء من جديد، ولا يمكن التعاطي معه من خلال إجراء إصلاحات. يضاف إلى ذلك، أن المؤسسات المالية الأجنبية، عرفت قبل غيرها حقيقة الوضع الاقتصاد في هذا البلد، بما في ذلك عدم قدرته حتى على تنفيذ وعوده في زيادة إنتاجه النفطي، فور البدء الشامل لرفع العقوبات العالمية. والسبب أن البنى التحتية النفطية تحتاج إلى مزيد من الاستثمارات وإلى وقت يكفل عودة حقول الإنتاج إلى مستويات مرتفعة. هناك التضخم الذي أكل كثيرا من قيمة العملة الإيرانية، فضلا عن تداخل ــ بل تضارب ــ مصالح منظمة إرهابية كالحرس الثوري، واقتصاد البلاد الوطني.
المسألة لا تقتصر على هذا فحسب، بل تشمل أيضا تخوف المؤسسات المالية العالمية المستقلة من خوض غمار الاستثمارات في إيران، في الوقت الذي لا تزال فيه تشريعات رفع العقوبات غير واضحة بل مضللة في بعض الأحيان، الأمر الذي قد يعرض هذه المؤسسات ــ في حال الاستثمار ــ إلى عقوبات من جانب البلدان المعنية. فالمؤسسات المشار إليها، لا تزال تدفع مليارات الدولارات غرامات وعقوبات فرضتها الولايات المتحدة عليها، بسبب تعاملات سابقة لها مع إيران تم الكشف عنها. وهي تعلم أن أي تجاوزات جديدة في هذا الأمر، يمكن أن يتطور أمرها إلى حظرها إلى الأبد في كل بلدان العالم.
هناك مستويات عالية من القروض المتعثرة التي تعانيها المصارف الإيرانية، وهذا وحده عامل منفر لأي جهة أجنبية من القدوم إلى هذا الميدان. والمشكلة التي تواجهها أيضا، ترتبط أيضا بضرورة أن تضخ إيران نفسها استثمارات محلية في مصارفها، قبل أن تصبح مغرية للمصارف العالمية الأخرى، وقبل أن تتضح الصورة النهائية لعملية رفع العقوبات على هذا البلد، الذي يفضل أن يستثمر بالإرهاب ودعم أنظمة إجرامية، أكثر من استثماره في نطاق شعبه.