الواقع الثقافي العربي سيئ «سوءا إيجابيا»
معاذ بنو عامر كاتب ومبدع أردني، خريج قسم الصحافة والإعلام من جامعة اليرموك، صاحب عديد من الأعمال الفكرية والأدبية؛ منها "الجسد والوجود العتبة المقدسة" "2015"، "مقالٌ في الوضع الآني" "2002"، مسرحية "مقامرة في بيت العنكبوت" "2002". "الاقتصادية" تلتقي هذا الباحث الأردني الشاب وتحاوره في قضايا الفكر والثقافة والإبداع في العالم العربي. وكذا عن معالم مشروعه المعرفي للحالة الثقافية العربية.
صدقا أقول لك إن أول سؤال استهلالي في أي حوار عادة ما يكون عصيا، لكن لنبدأ من تلك القدرة لديك ككاتب على الجمع بين ما قد يبدو "متناقضات"؛ الكتابة الفلسفية والكتابة الأدبية؟
فعل الكتابة فعل صيرورة لا فعل كينونة، لذا دائماً ما يتأكّد في القلق لا في اليقين، ولأنه كذلك فهو يستلهم أساساته التكوينية من الفعل التواصلي بين اللغة والوجود، أياً كانت المواضعات التي يتموضع بها في العقل الإنساني، سواءً أكانت فلسفية أم أدبية.
في فترة مُبكّرة من قراءاتي وازنتُ بين الكتب الأدبية من جهة، ولا سيما السير الشعبية؛ والأعمال الفلسفية من جهة ثانية، ولا سيما أعمال هيجل؛ لذا تمازجت هاتيك في تلك، إلى درجة البحث الآن عن لغة مشتركة أثناء الكتابة في الحقلين الأدبي والفلسفي.
هل تتفق مع من يقول إن الأولى "الفلسفية" عقلانية منطقية بينما الثانية "الأدبية" وجدانية عاطفية؟ وفي أيهما تجد نفسك أكثر عند التدوين؟
أجدُ نفسي أكثر في اللغة المشتركة، بصفتها الدفاع الإنساني الأكبر ضد العَدَم، لذا أجمع بين مكوناتها ساعة أكتب، وإذا كان ثمة تصنيف كذلك، فأنا أقرّه كصيرورة لا ككينونة كما أسلفت، فنحن بحاجةٍ دائماً إلى ما يشدّ عزيمة عضلات قلوبنا الضعيفة، وبحاجةٍ أيضاً إلى ما يخفّف من قسوة عقولنا القوية. أي شيء أجمل من سرد قصة فلسفية معقدة بلغة أدبية شائقة، وأي شيء أمتع من تحويل قصة أدبية إلى فكرة فلسفية عميقة!.
#2#
في هذا السياق أمكنني الحديث – حديث حميمي من كاتب إلى ذاته أولاً وإلى القارئ ثانياً - عن تدريبٍ عقلاني للقلب الإنساني، وعن ترويض قلبي للعقل الإنساني، وموضعت ذلك عبر نص أدبي أو نص فلسفي، بحيث لا تعود السياقات اللغوية سياقات مغتربة عن ذواتنا التي تطمح في قمة عقلانيتها إلى شيء من حنان القلب وغنجه اللذيذ، وتطمح أيضاً في قمة اندفاعاتها العاطفية إلى شيء من منطقية العقل وصرامته القاسية.
أيمكن القول إن هذه الازدواجية هي إحدى مميزات مشروعك المعرفي للحالة الثقافية العربية؟
في محاولة لبسط الخطاب الثقافي، وتحويله إلى نسقٍ جذّاب كمرحلةٍ أولى، وإيصاله بالتالي إلى الكل – إن أمكن - فإني أجمع بين النقيضين – إن شئت تسميتهما كذلك - لغاية التموقع في قلب الأديب وعقل الفيلسوف لحظة الكتابة، وعكس الآية عند القارئ لحظة القراءة، بحيث يتحوّل قلب الأديب إلى شيء عقلاني ساعة التلّقي، وعقل الفيلسوف إلى شيء وجداني لحظة التلقي، وبذلك تحلّ المنظومتين الأدبية والفلسفية في شخص واحد، بما ينقل اللغة من إسار التنميطات الثابتة إلى رحاب النشاط الإنساني المتحرّك.
وإذا كان ثمة حديث عن معركة لكسب العقول والقلوب معاً أثناء ترويج الخطاب الثقافي، فأولى بالكاتب أن يتمثّل الإنسان في جدلياته اللغوية، لا أن يتمثّل حداً من حدود هذه الجدلية، ناسياً أو متناسياً الحد الآخر.
"عندما يتأكّد الإنسان في المعرفة أكثر يتأكّد أكثر في الجهل على المستوى الداخلي؛ على المستوى الخارجي يتحوّل إلى مصبّ عظيم لكل سواقي المياه التي تنبع من رؤوس الجبال". هل لك من تعليق على هذا الكلام؟
عندما ينتهي المرء من قراءة الكتاب الأول في حياته، يشعر بأن ذلك الكتاب ليس خُلاصةً معرفيةً فحسب، بل هو بمثابة خشب الخلاص الذي سيصلب عليه إمكاناته وإمكانات غيره المعرفية، ويحاكمها وفقاً لتلك "الخلاصة/ الخلاص"، ويبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيق ذلك. وعندما ينتهي المرء ذاته من قراءة الألف الأولى من الكتب يصبح خلاصة حصيلة خُلاصات كثيرة وعديدة، ويتفهّم أن حياته في طريقها إلى الانفتاح على خُلاصات كثيرة وعديدة، لا إلى الانغلاق الخلاصي. وعندما ينتهي من قراءة آلافٍ مؤلّفة من الكتب، يتأكد أن امتلاءه الداخلي يتزامن مع خِفّة خارجية، فهو لا يفتأ يتنقّل – مثل عصفور صغير - ليس بين العقول فحسب، بل بين الأزمان والحضارات أيضاً، إلى حد التأكّد في الخلاص الذاتي، إذ تتجمّع كل الخلاصات في مصبّ واحد، وتتحوّل إلى أمشاج يُعيد العقل تلقيحها ابتداءً، وولادتها تالياً، عبر تشكيل رؤية من العالَم الذي يعيش فيه هذا المرء، ابتداءً من صغرياته، وليس انتهاءً بكُبرياته. فهو يتجلّى – نهاية المطاف - في خلاصه الذاتي، عبر انفصال عن خلاصات الآخرين، بعد أن يكون قد صهرها في عقله، وحوّل مادتها الخام، إلى رؤية مُكرّرة ومنقحّة للعالَم الذي يعيش فيه.
إن الإبداع لا يمكن أن يتم إلا على أساس النسيان، بدونه لن يكون هناك إبداع، وإنما تكرار واجترار. ما مدى اتفاقك مع هذا القول؟
ليس ثمة إنسان خالص، أي أنه وجود محض، بل هو حصيلة جينات سابقة، على المستويين الجسدي والعقلي، فالكتلة الآدمية الآنية هي حصيلة جثث سابقة يقيناً، لذا لا مناص من أخذ الماضي بعين الاعتبار. لكن عند حدّ معين لا بُدّ للمرء أن يسأل نفسه السؤال الأنطولوجي الكبير: لِمَ أنا موجود؟ وهل ثمة أهمية قصوى لوجودي في هذا العالَم، أم يمكن لذواتٍ أخرى أن تُنيب عني، وتؤدي الدور المُناط بي وجودياً؟ الإجابة عن هذا السؤال هي برسم انفصال الإنسان عن بقية الناس، وقطع لحبل المشيمة الجينية، على المستويين الجسدي والعقلي، واتصال باللحظة الإبداعية الذاتية، بصفتها لحظة أنطولوجية، تجعله مُغايراً لكل الذوات الأخرى وتصبغ وجودع بصبغةٍ غير قابلة للتكرار، فهي منسجمة مع وجوده الأقنومي في هذا العالم. فهو شيء أصيل، جوهري، رغم تحقّقه المبدئي في "أصلاب/ أرحام" جسدية وعقلية.
لكن هناك مثلا هنديا قديما يقول: "إن إلهة المعرفة لا تبتسم لمن يهمل القدماء"؟
"يضحك"... هَهُنا، أمكن للإنسان أن يتحوّل إلى "هولوكوست"، فهو يترمّد في النار العظيمة، لكنه – مثل طائر العنقاء الأسطوري - يتمثّل الحياة بين جنبيه، ويخرج قوياً من بين ركام المحرقة الكبيرة.
في خزانتك هل فعلا تحس بالعزلة وأنت محاصر بين الكتب؟
عزلة الكتب عزلة صغرى أمام عزلة الوجود الكبرى؛ إننا منفيون هُنا والآن، لذا لا مناص من أن نساعد بعضنا بعضاً على تجاوز هذه المحنة الحياتية.
عندما أجلس في غرفتي بصحبة آلاف من جثث الفلاسفة والأدباء والعلماء والحكماء، فإني أُسلِّي وحشتهم، واستحضر عقولهم من عالَم الغيب إلى عالَم الشهادة، وأهمس في آذان قلوبهم: خذوا حذركم أيها الأموات؛ إنكم تعبرون برزخ الورق، لتستقروا في عقلي؛ لأتحاور وإياكم حوار أحياء لا حوار أموات.
وعندما تُجالسني جثث الفلاسفة والأدباء والعلماء والحكماء، فإنهم يُسلّون وحشتي ويؤنسون غربتي، وفي ليالي الشتاء الطويلة، ليالي جبال عجلون الموحشة، أسمعهم يهمسون في أذن قلبي: لا عليك أيها الحيّ، سنعبرُ برزخ الورق، ونسامرك مسامرة الندماء.
أولئك الأحبّة أسندهم، وهم يتأرجحون على الحدّ الفاصل بين عالَم الغيب وبرزخ الورق، ويسندونني كحبيبٍ لهم وأنا أتأرجح على الحدّ الفاصل بين عالَم الشهادة وبرزخ الورق.
"سباعيات بني عامر"، "تداعيات الحب الإنساني"، "كتب للقراءة"، "عصر التدوين الثاني"... عناوين لمقالات ترصد فيها عناوين أهم الكتب التي لها وقع عليك. كيف ترى الواقع الأدبي في الساحة العربية من موقعك كقارئ مطلع؟
منذ بدأ يتشكّل وعيي القرائي، انتبهت إلى مسألة أن فكّ الارتهان للأنظمة المغلقة يتطلب إحداث اختراق معرفي في الذهنية العربية. الإنسان العربي محاصر - بطريقة أو بأخرى - بثقافات جزئية ومجتزأة أيضاً؛ لذا عليه – لكي ينتقل من مرحلة الانغلاقات الوطنية، الأيديولوجية، القومية، الاثنية، إلى مرحلة الانفتاحات الكونية والتحوّل إلى إنسان عالمي - أن يتعرّف على ثقافات وفلسفات وعلوم الحضارات الأخرى، قديمها وحديثها. وما تلك السباعيات أو التداعيات أو حتى مشروع الألف كتاب الذي طرحته في سلسلة مقالات "عصر التدوين الثاني" إلا من باب الدفع قدما بالقارئ ناحية العالمية بما تتضمنه من انفتاحات على حقول معرفية شتى، وعدم حصره في ثقافة بعينها، لما قد يتضمنه هذا الحصر من نتائج كارثية.
الواقع الثقافي العربي سيئ سوءاً إيجابياً كما اصطلحُ عليه، لذا أنا متفائل جداً بهذا الخصوص، وما تلك السياقات التي أعمل على تعزيزها، لغاية دمج الإنسان العربي بثقافات الجنس البشري كاملة، إلا من باب التفاؤل بالقدرة على اجتراح بديل ثقافي قادر على حمل بشارة إيجابية للبشرية جمعاء.
نعم، ثمة استقطابات وطنية، قومية، اثنية، أيديولوجية على المستوى الثقافي، هذا هو السوء الذي عنيته آنفاً. الإيجاب هو القدرة على تدمير هذا السوء، بإنتاج جيل معرفي عربي جديد، عبر تعزيز ثقافته الإنسانية، وربطه بالمنتج الإبداعي للعقل البشري ربطاً نقدياً، يمكّنه ليس من الاستفادة من إيجابياته وتجاوز سلبياته فحسب، بل وتقديم بديل له، كنوعٍ من التحدي الحضاري.
سؤال أخير، ثلاث كلمات في إجابات مختصرة: جبل عجلون، مشروب الشاي، الشعر العربي؟
جبل عجلون: الأفق الذي أرقب منه صُغريات الكون وكُبريات الذات.
الشاي: إحدى متع الحياة الكبرى. الشعر العربي: قد يكون في طريقه إلى الاندثار، تحديداً على يد أولئك الذين يكتبون الشعر. وقد يكون في طريقه إلى الانبثاقة الحضارية، تحديداً على يد الشعراء والنقاد؛ سواء بسواء.