بعد طول غياب .. «جدة كذا» بحر وكتاب

بعد طول غياب .. «جدة كذا» بحر وكتاب
بعد طول غياب .. «جدة كذا» بحر وكتاب

يعود معرض الكتاب إلى مدينة جدة، مطلا على بحرها في الثاني عشر من ديسمبر الجاري، في مقر أقيم خصيصا من أجل هذه المناسبة. يعود معرض الكتاب إلى جدة بعد غياب عنها وعن باقي مدن المملكة باستثناء مدينة الرياض استمر لسنوات. وفقا لرؤية تنظيمية وحدوية اعتمدتها وزراة الثقافة والإعلام بعد أن أُوكلت إليها إقامة المعارض. إثر عقود من الاجتهادات المتفرقة كانت تقوم بها الجامعات السعودية والأندية الأدبية وبعض الجهات الأخرى، كان من أبرزها تنظيميا بشهادة كثيرين المعارض التي نظمتها جامعة الملك سعود، في أوقات سابقة، لما تركته من أثر محلي ودولي مهد بدوره لمعرض الرياض الدولي.
والآن معرض جدة الدولي للكتاب يأتي بعد عقد من الخبرة والتجارب التنظيمية. ما يجعله بحسب بعض المثقفين مؤهلا لتجاوز أخطاء وعقبات كثيرة إذا ما تنبه المنظمون إلى الاستفادة أكثر وأكثر من التجارب السابقة. سواء كان ذلك على مستوى تنظيم حضور الزوار ودور النشر أو على مستوى البرامج الثقافية المصاحبة التي تم الإعلان عنها مسبقا، التي وإن بدت في عناوينها البارزة تقليدية ومحلية بعض الشيء ـ بحسب منتقديها ـ إلا أن التعويل على الأسماء الثقافية التي تديرها وتحييها يبقى أمرا متروكا لوقت الحدث نفسه ولطبيعة التفاعل معه.

#2#

هذا فيما يتعلق بالجوانب التنظيمية الإدارية، أما بالنسبة إلى الاستقبال النخبوي والشعبي لهذا الحدث فهو أكبر من أن يوصف. إذ يذكر بعض من حضور المجلس الأسبوعي لأمير المنطقة هالة من التصفيق المتواصل إثر سماع الحضور من كبار مسؤولي المنطقة ومثقفيها بخبر إقرار المعرض مباشرة من الأمير خالد الفيصل؛ الضيف الفخري لمعرض الشارقة الأخير للكتاب. فضلا عن تعليقات مستبشرة امتلأت بها شبكات التواصل ومواقعها ومقالات صحفية تعبر عن فرحة عارمة لـ "ما طال انتظاره" على حد تعبير كثيرين.
فمجتمع جدة الأهلي والثقافي ومن خلال مثقفيه وأدبائه وشعرائه وفنانيه ذو لمسات ثقافية مميزة لطالما أثرت المشهد الوطني، ومن هنا فجدة كغيرها من مدن المملكة المتنوعة والمتعددة ثقافيا جديرة بهذا الحدث الوطني الثقافي الأهم. مجتمع جدة عرف بمبادراته الثقافية والأدبية عبر جامعاته وكلياته ومعاهده على مر السنين، كما عرف بمبادرات تضامنية واجتماعية وإنسانية ما يزال يذكر بها رجال أعماله الكثر. بدءا من تأسيس أول المدارس النظامية، مدرسة الفلاح، من خلال الشيخين محمد علي زينل وعبدالرؤوف جمجوم.. أو عبر الشيخ محمد أبو بكر باخشب باشا والشيخ عبدالله سليمان الحمدان.. مؤسسا جامعة الملك عبدالعزيز الأهلية، وصولا إلى الشيخ إسماعيل أبو داود وتبرعه لإنشاء مكتبة جدة.
كما يذكر التاريخ لفضلاء جدة فكرة إقامة أول ناد أدبي ثقافي في المملكة باقتراح من الأديبين عزيز ضياء ومحمد حسن عواد وبمباركة من الراحل أمير الرياضة والشباب آنذاك فيصل بن فهد، رحمهم الله جميعا. ليتبع ذلك تعميم الفكرة على بقية المناطق.
جدة كبحرها الواسع وموانئها المنفتحة على كثير من الرؤى والثقافات والحضارات ليست حديثة عهد بالكتاب والنشر والمعرفة، بل لها ولروادها باع طويلة في ذلك، وهذا ما يرجّح نجاح المعرض بالتوازي مع النجاحات السابقة لمعرض الرياض الدولي للكتاب. كما أن هذه المناسبة الثقافية كغيرها من المناسبات الثقافية الوطنية تأتي في وقت شديد الحساسية والاضطراب من حولنا سياسيا واجتماعيا، بمباركة من مروجي الأفكار المتطرفة وروادها. وهنا يكمن الرهان على تراكم معرفي ووطني عملي يقدم صورة مبشرة وجميلة عن اهتمامات شباب وشابات الوطن، وعن تنوع ثقافي وحضاري تشهده هذه البلاد، بقدر ما يميزها ويثريها بقدر ما يجمعها ويوحدها على قلب وطن واحد.

الأكثر قراءة