قريبون من الأرض .. بعيدون عن البشر
بعد ليلة صيف هادئة، استيقظ أهالي قرية ياجسي النائية في مقاطعة سيتشوان جنوب غرب الصين على فاجعة قلبت حياتهم، فقد اجتاح قريتهم مرض غريب أصاب الأطفال منهم، الذين تراوح أعمارهم بين خمس وسبع سنوات، وتسبب لهم في وقف نمو مفاجئ، إضافة إلى إصابتهم بالإعاقات المختلفة التي جعلت العلماء والباحثين يتجهون صوب هذه القرية المنكوبة، لدراسة المياه والتربة، والحبوب، والأفراد المتضررين في المنطقة، أملا في جمع بعض القرائن للكشف عن سبب ما حدث لهم!
وللأسف لم يجد العلماء تفسيرا لما حدث، ووضعوا أكثر من فرضية ونظرية، لكن الغموض ظل يلف ما حدث في تلك القرية، وما زال، منذ أن اكتشف المرض سنة 1951، ولم يقتصر حدوث المرض على الموجودين ذلك الوقت، بل انتقل إلى الأجيال من بعدهم، حتى شكل المصابون بالمرض، الذين تحولوا إلى أقزام، 40 في المائة من سكان القرية. وعندما يغيب العلم يرتفع صوت الخرافة، فقد أرجع سكان القرية ما حدث لهم إلى عدم دفنهم موتاهم بشكل جيد، أما الأغرب فاعتقادهم أن ما أصابهم لعنة، جراء تناولهم سلحفاة سوداء بعد قتلها وطبخها. وفتحت هذه القرية للسياح مثلها مثل "إمبراطورية الأقزام" التي بناها الأقزام في جبال الصين عام 2009 هربا من العنصرية، إنها أشبه بمدينة الأقزام السبعة في الرواية الشهيرة "بياض الثلج"، واشترطوا ألا يزيد طول من يريد مشاركتهم السكن عن 129.5 سسنتيمتر. يستمتع السياح بزيارتها ومشاركة الأقزام في عروض الرقص والغناء.
والأقزام فئة من البشر، لا يتجاوز طول أحدهم 130 سنتيمترا، يميلون إلى العيش في تجمعات خاصة، بعيدا عما يعانونه من نظرة الناس لهم والتندر بخلقتهم. فقد شاع استخدامهم في السيرك والرقص وغيرها من الأعمال غير اللائقة. يقال إن ثلث أقزام العالم يعيشون في مصر، لما كان يوليه المصريون قديما لهم من حب ورعاية، إذ لعبوا دورا ملموسا في المجتمع، وجيء بأول قزم من بلاد بونت، أيام الملك أسيسي، عاهل الأسرة الخامسة، في حين أحضر حرخوف قزما آخر من بلاد يام في النوبة العليا، من أجل الملك الطفل بيبي الثاني، وأشهر الأقزام المصرية المدعو "سينيب" الذي عاش في عصر الأسرة الخامسة، وكان موظفا كبيرا يتمتع بكثير من الألقاب الاجتماعية والدينية والشرفية. وتزوج من امرأة ذات بنية طبيعية، ودفن في قبر فخم، قريب من هرم خوفو في جبانة الجيزة.
وعلى نقيض هذا الاحترام والتسامح، كانت أوضاع الأقزام في روما القديمة وإسبرطة سيئة جدا، حيث كان يعتبر مولد طفل من الأقزام كارثة.
أعتقد أن التقزم يكمن في الفكر وليس في الطول، فمن هؤلاء الأقزام هامات وقامات بلغوها بالجهد والعلم، لذا طالبت جمعية الأقزام في مصر بأن يطلق عليهم "أصحاب الهامات".