المناخ .. تقاعس اليوم مصائب الغد
ليس الجميع "متورطا" في مسألة الاحتباس الحراري التي تؤدي إلى التغير المناخي بصورة خطيرة على الكرة الأرضية. وحتى على صعيد "المتورطين"، فهناك فوارق كبيرة بينهم، تتعلق بمستوى مساهمتهم في تخريب البيئة بشكل عام. لا يمكن وضع بلد كهولندا أو حتى بريطانيا إلى جانب بلد كالولايات المتحدة أو الصين. لقد بات شعارا عالميا أن الأمريكيين والصينيين أكثر الملوثين للبيئة قاطبة، وأن ما يقدمونه من أضرار يشهد نموا مستمرا. علما، بأن تعهداتهم طوال السنوات الماضية لم يلتزموا بها كما هي. حتى بين واشنطن وبكين فارق واضح يتعلق بأن الإدارة الأمريكية الحالية ترغب بالفعل وتعمل من أجل خفض الانبعاثات الكربونية، في حين لا تتفاعل الحكومة الصينية في هذا المجال. وتواجه إدارة أوباما في الواقع معارضة لتوجهاته البيئية السليمة من جانب الجمهوريين الأمريكيين أنفسهم. وهذه قضية ليست جديدة على الساحة.
غالبية رؤساء البلدان الكبرى المتقدمة، أجمعوا (من خلال تصريحاتهم) على أن قمة المناخ في باريس، لا بد أن تشكل تحولا تاريخيا على صعيد حماية البيئة، لأن الاحتباس الحراري ليس محصورا في الإضرار بالمناخ، بل في كل شيء تقريبا، ولا سيما الاقتصاد والتنمية ومستويات المعيشة حول العالم. بل ذهب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أبعد من ذلك، عندما ربط الاحتباس الحراري بالإرهاب! وبعيدا عن هذه المبالغة الفرنسية، يبدو أن قادة العالم الذين اجتمعوا في باريس، يريدون فعلا القيام بخطوات أشد فاعلية وأكثر عملية. فالمسألة -الكارثة- لن توفر أحدا، وهم يعرفون أن تقاعس اليوم، يعني مصائب في الغد. كما أنهم يواجهون تمردا متصاعدا حتى داخل بلدانهم بسبب أزمة المناخ.
ويبدو أن الأمر (على خطورته) لا يحتاج إلى سياسات جديدة، أكثر من احتياجه إلى تنفيذ التعهدات السابقة بصدق وأمانة وشفافية أيضا. ولعل قمة باريس للمناخ، أكثر التجمعات المشابهة استغناء عما هو جديد في حماية البيئة، والعمل على تنفيذ القديم أولا. هناك 100 مليار دولار وعدت البلدان المتقدمة بتوفيرها للدول الفقيرة لمساعدتها على التكيف والتخفيف من ظاهرة الاحتباس الحراري. لم يتم الالتزام بتقديم هذه الأموال بما يجعل الأمور أفضل. ومما لا شك فيه، أسهمت الأزمة الاقتصادية العالمية في تخلف المتعهدين بتقديم المال، ولاسيما أن الغالبية العظمى من الأموال المشار إليها ستأتي من الحكومات، إضافة طبعا إلى نسبة من الاستثمارات الخاصة. لكن حتى لو توفر المبلغ كله اليوم، لن يحل مشكلة الاحتباس الحراري العالمية.
فلا تزال المصالح المحلية تحدد الإطار العام للحكومات للتعاون في هذا المجال، والقيام بدورها المحوري فيه. بل إنه في بلد كالولايات المتحدة، هناك خلافات داخلية بين الإدارة والكونجرس. فهذا الأخير الذي يسيطر عليه الجمهوريون لا يريد أن يقدم شيئا للعالم على صعيد الحد من الاحتباس الحراري. والحق أن الحزب الجمهوري طوال العقود الماضية من أكثر الجهات رفضا لمثل هذا التعاون، بل هناك شخصيات فيه لا تعتبر أنه يوجد أزمة مناخ أساسا! لكن ساعة الخطر تدق في الأرجاء، ومخربو البيئة سيكونون من ضحاياها أيضا. لا حصانة لأحد في مسألة لا حدود وطنية لها. الجميع.. إما مشترك أو متورط أو مصاب أو في دائرة الخطر الماحق.
قمة باريس للمناخ فرصة تاريخية حقيقية لا صوتية. وإذا لم يتوصل قادة العالم إلى اتفاق واضح المعالم يحدد الالتزامات والمسؤوليات والتعهدات بحلول عام 2020، فإن متهمين (بل مدانين) في جريمة بيئية سيدفعون ثمنها بلا شك، وسيدفع معهم أجيال لم تولد بعد في هذا العالم الذي تحدق به المخاطر من كل الاتجاهات.