رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التغير المناخي لا «يجامل» ضحاياه

"التغيير المناخي، لا يحمل جواز سفر، ولا يعترف بالحدود الوطنية. إنه تغير عالمي يحتاج إلى تضامن عالمي".
بان كي مون - الأمين العام للأمم المتحدة

مع انطلاق مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في باريس، تنفتح الملفات، وترتفع وتيرة الاتهامات المتبادلة بين البلدان المعنية مباشرة بهذه القضية الخطيرة بل والكارثية على العالم أجمع. لم تعد مثل هذه الاتهامات ذات معنى، لأنها أصبحت معادة ومملة، تماما مثلما هو حال الملفات سواء المغلقة أو المفتوحة. بل أن أخبار بعض الكوارث الطبيعية التي تحدث على هذا الكوكب، باتت هي الأخرى أقرب إلى المملة، وفي بعض الحالات صارت من الأخبار الثانوية، فيما لو تصادفت مع تطورات عسكرية هنا، وسياسية هناك. صحيح أن العالم حقق نضجا ملحوظا في السنوات الماضية، في مسألة البيئة والحفاظ عليها وحماية ما تبقى منها، لكن الصحيح أيضا، أن الإرادة الدولية (ولاسيما تلك التي تخص الدول الكبرى) لا تزال دون المستوى المطلوب لمواجهة الأزمة-الكارثة العالمية.
ببساطة، لم يعد الوقت كافيا لتقليل مخاطر التغير المناخي. وما تبقى منه، يتطلب جهودا مضاعفة عدة مرات للوصول إلى المستويات المطلوبة لشكل البيئة العالمية. فالتخلف في السنوات الماضية لم يرفع من معدلات المخاطر فحسب، بل جعل من معالجة الأزمات الناجمة عن الأزمة الكبرى أكثر صعوبة. ومن ضمن عوامل المشكلة الكبرى في البيئة والتغير المناخي، أن بعض الدول (رغم كل الحقائق على الأرض)، لا تزال تتعاطى مع الكارثة على أنها ستحدث لاحقا، لا على أنها تحدث حاليا بالفعل، بل وصلت إلى مراحل متقدمة من المخاطر. مخاطر لم تعد تهدد أفق الهواء والماء والغابات والمحيطات والجبال، بل انتقلت بصورة لافتة وسريعة إلى القطاع الغذائي العالمي، ولاسيما في المناطق التي تعتمد على الزراعة للعيش معيشة واقتصادا.
ولأن التقاعس (وضرب بالوعود والتعهدات عرض الحائط من جانب مطلقيها)، ساد الأجواء طوال السنوات الماضية، فقط ولد ما يمكن أن نطلق عليه "كوكتيل"، مشكل من حاصل التغير المناخي وارتفاع عدد سكان الكرة الأرضية. إنه ببساطة "كوكتيل الكارثة" على البشرية كلها، بلا استثناء. فالذي لم تنله ضربات تغير المناخ اليوم، ستلتهمه غدا، دون أدنى شك، والسبب واضح للجميع، ليس هناك منطقة في هذا العالم محصنة من التغير المناخي. إنه لا يميز بين الغني والفقير، وبين الكبير والصغير، وبين القوي والضعيف. إنه إعصار تصغر أمامه كل الطاقات والهامات. ولهذا السبب وغيره من الأسباب، كان لا بد من مضاعفة الجهود من أجل مواجهة الحقيقة. وتفادي استفحالها أكثر مما هي عليه الآن، لأن المواجهة الحتمية ستصبح حينذاك أشد وطأة وأكثر صعوبة.
هناك إنجازات تحققت بالفعل في السنوات القليلة الماضية، إلى درجة أن أعلنت وكالة التقييم البيئي في هولندا ومعها مركز الأبحاث التابع للمفوضية الأوروبية، أن الزيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم توقفت تقريبا العالم الماضي، لأول مرة منذ عقدين. واستنادا إلى الجهتين المشار إليهما، فإن الاحتباس الحراري تراجع في 11 دولة من دول مجموعة العشرين. وهذا أمر جيد بل يمثل خبرا من الدرجة الأولى بهذا المجال. غير أن هذا التقدم، أو في الواقع عدم تدهور الحالة البيئية في بعض البلدان، لا يعني أن الأزمة يمكن حلها بسهولة وسرعة. إنها كارثة متوالدة لا تقف عند حدود معروفة. كما أنها مصيبة كل الأوقات والمواسم والفصول.
ما زال المناخ يهدد الغذاء العالمي. وعلينا أن نعرف أن 2.5 مليار نسمة على الأقل في هذا العالم يعتمدون على الزراعة مباشرة. وأن أضرار الكوارث الطبيعية بين 2003 و2013 بلغت 1.5 تريليون دولار، أي أكثر من الناتج القومي الإجمالي لأستراليا. علما بأن90 في المائة من الكوارث متصلة بالطقس وتوابعه. ووفق الأمم المتحدة، فإن 600 مليون شخص آخر قد يصابون بسوء التغذية خلال 60 عاما بسبب تغير المناخ. وهؤلاء ليسوا ضمن الشرائح التي تدخل ضمن نطاق الجوع. بمعنى آخر، بالإمكان خفض معدلات الكوارث الطبيعية، بمواجهة أكثر فاعلية للتغير المناخي حول العالم، وفتح الملفات كلها مرة واحدة وليس بالتقسيط، دون أن ننسى، أن البلدان المتقدمة إضافة إلى الصين والهند تتحمل الذنب الأكبر في مسألة التلوث، في حين أن البلدان الفقيرة لا تتسبب بأكثر من 5 في المائة من هذا التلوث.
انطلق مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في باريس بمشاركة أكثر من 40 ألف شخص بمن فيهم أكثر من 120 رئيس دولة. وإذا لم يحقق هذا المؤتمر بالذات خطوات عملية ملموسة على صعيد حماية البيئة، فعلى العالم أن يستعد لكوارث بيئية كبرى، ستنتج عنها بالضرورة مصائب إنسانية وبشرية ستبقى محفورة في ذاكرة الزمن لقرون عديدة. المسيرات التي خرجت حول العالم قبيل قمة المناخ المشار إليها، رغم أهميتها التوعوية، إلا أنها تبقى بلا معنى، من دون تعاون عالمي حقيقي ضد "عدو" لا فرق عنده بين البشر، ولا بين زوايا وبقاع الكرة الأرضية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي