إرهاب عابر للقارات .. «داعش» في أوروبا و«القاعدة» في إفريقيا
لم یكد العالم یستفیق من هول هجمات باریس، حتى اتجهت الأنظار یوم الجمعة الماضیة، صوب العاصمة المالیة "باماكو" على وقع عملیة إرهابیة جدیدة، تمثلت في اقتحام عدد من المسلحین فندق "رادیسون بلو" في العاصمة المالیة، حیث تم احتجاز 170 رهینة معظمهم من النزلاء الأجانب، ما اضطر القوات الخاصة المالیة لاقتحام الفندق وتحریر المحتجزین الذین كان من بینهم أفراد طاقمین للخطوط الجویة الفرنسیة والتركیة، إضافة إلى أمریكیین وأجانب من جنسیات أخرى. وقد أعلن تنظیم "المرابطون" أحد فروع "القاعدة" في شمال إفریقیا، الذي یتزعمه الإرهابي "مختار بلمختار" مسؤولیته عن العملیة، وقال إنها تمت بالتنسیق مع مجموعة "إمارة الصحراء" في تنظیم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وهذا ما أثار الكثیر من التساؤلات بحسب تقرير أعده المركز الإقليمي للدراسات حول دلالات هذه العملیة في هذا التوقیت، وأبعادها المحتملة في الفترة المقبلة.
#2#
عملیة "باماكو" دلت بشكل واضح على مدى التعاون والتنسیق بین المجموعات "القاعدیة" في شمال وغرب إفریقیا، وهذا ما سوف یمثل تحدیا أمنیا كبیرا لدول المنطقة، ولفرنسا أیضا التي تقود عملیة مكافحة الإرهاب في المنطقة، وهذا ما یجعل هذه العملیة لها عدد من الدلالات المهمة، منها:
1 - توقیت العملیة: حیث جاءت عملیة "باماكو" في وقت مهم للغایة دولیا وإقلیميا، فعلى المستوى الدولي فقد جاءت بعد أیام قلیلة من عملیات باریس المدویة التي هزت العالم أجمع، وعلى المستوى الإقلیمي جاءت متزامنة مع قمة مجموعة دول الساحل الخمس) وهي: مالي، وموریتانیا، والنیجر، وتشاد، وبوركینافاسو (التي أنشئت عام 2014 بهدف مواجهة الإرهاب والعنف المسلح.
2 - عودة النشاط "القاعدي": حیث إن هذه العملیة تعد تأكیدا قویا على حضور تنظیم "القاعدة"، واستعادة نشاطه العملیاتي في منطقة شمال وغرب إفریقیا، التي كانت تعد نفوذا تقلیدیا لفروعه الموجودة فیها، سواء جماعة "المرابطون" أو "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، بعد أن ظن الكثیرون أن تنظیم "القاعدة" تراجع نشاطه لمصلحة "داعش"، كما أن العملیة أثبتت قدرة "القاعدة" على ممارسة نشاطها خارج إطار نفوذها التقلیدي في شمال مالي وجنوب الجزائر، وأنها قادرة على توجیه الضربات في مناطق أبعد من ذلك.
3 - التماسك التنظیمي لـ"القاعدة": حیث جاءت عملیة "باماكو" لتؤكد التماسك التنظیمي بین المجموعات "القاعدیة" في منطقة غرب وشمال إفریقیا الذي كانت القاعدة في أمس الحاجة إلیه، خاصة بعد الحدیث عن تعدد حالات الانشقاق التي حدثت لمصلحة تنظیم داعش في الفترة الأخیرة، وبالتالي فإن هذه العملیة برهنت على أن "القاعدة الأم" لم تتأثر سلبا بظهور "داعش" بالساحل الإفریقي، خاصة بعد إعلان تنظیم "المرابطون" عودته إلى صفوف "القاعدة"، بما یعد رسالة واضحة بأن "القاعدة" في شمال إفریقیا متماسكة تنظیم یا، برغم تعدد مجموعاتها وقیاداتها.
4 - التأكید على زعامة بلمختار: فتنظیم "المرابطون" الذي أعلن مسؤولیته عن العملیة، یقوده الإرهابي المتمرس والزعیم القوي "مختار بلمختار"، المعروف عنه أن رجل العملیات الصعبة، فالرجل صاحب عملیة "عین أمناس" الشهیرة في الجزائر في ینایر 2013، وهو أیضا من حسم ارتباط تنظیم "المرابطون" بـ"تنظیم القاعدة"، عبر الإطاحة بـ"عدنان أبو الولید الصحراوي" المؤید لتنظیم داعش، وأن قیادة الرجل لأي مجموعة جهادیة یرفع أسهمها ویقوي موقفها، وأنه مازال القیادة "القاعدیة" الأقوى في المنطقة.
إعلان تنظیم "المرابطون" أحد أفرع القاعدة عن عملیة "باماكو"، یعد بمنزلة دلیل على قدرة "القاعدة" على منافسة تنظیم "داعش" في القیام بعملیات خارج مناطق النفوذ، خاصة بعد النجاح الذي حققه "داعش" في هجمات باریس، الأمر الذي سیجعل لتلك العملیة عددا من الأبعاد المهمة، منها:
1 - احتدام التنافس المتطرف: بعد هذه العملیة غالبا ما سوف یحتدم التنافس بین كل من تنظیم "القاعدة" صاحب النفوذ التقلیدي في هذه المنطقة، وبین تنظیم "الدولة" الذي یسعى إلى ترسیخ أقدامه فیها، في وقت تسعى فيه "القاعدة" إلى إنهاء الوجود "الداعشي" في تلك المنطقة، خاصة في ظل عودة "المرابطون" إلى صفوفها، ما سیشعل حالة التنافس بین التنظیمین، بشكل یمكن أن یتطور لاحقا إلى صدام مسلح بین المجموعات "القاعدیة" و"الداعشیة" في منطقة شمال إفریقیا، كما حدث في سوریة عندما وقعت مصادمات مسلحة بین "داعش" و"النصرة"، ما یدل على أننا یمكن أن نشهد صراعا بين المتطرفين في تلك المنطقة.
2 - تصاعد العملیات الإرهابیة في شمال إفریقیا: فحدوث عملیة "باماكو" من قبل تنظیم "المرابطون" بعد تولي بلمختار قیادته، یشیر إلى إمكانیة تكرار هذه العملیة الكبیرة مرة أخرى، نظرا للطبیعة الشخصیة لـ"بلمختار"، التي تتسم بالعنف والجرأة والإقدام على العملیات القویة، كما أن هذه العملیة سوف تشجع المجموعات "الداعشیة" و"القاعدیة" في شمال إفریقیا على القیام بعملیات مماثلة، من باب "التنافس"، وهذا ما یمكن أن یؤدي إلى زیادة وتیرة العملیات الإرهابیة خلال الفترة المقلبة.
3 - استعادة الحیویة لتنظیم "القاعدة": حیث إن عملیة "باماكو" تعد بمنزلة استعادة "القاعدة" لحیویتها التنظیمیة، بعد حالة الخمول التي أصابتها خلال الفترة الأخیرة، بسبب تراجع نفوذها لمصلحة تنظیم "داعش"، نتیجة وجود توجه لدى تیار كبیر من الشباب الجهادي في المنطقة للالتحاق بـ"داعش" وترك "القاعدة" وزعیمها الظواهري باعتبار أن الزمن قد تجاوزهم، وهذا ما دفع بعض المجموعات إلى مبایعة "داعش" في شمال إفریقیا، مثل بعض المجموعات التابعة لـ"أنصار الشریعة" في تونس ولیبیا، وعدد من التنظیمات اللیبیة المحلیة في درنة وبنغازي كــ"شباب التوحید" و"مجلس شورى شباب الإسلام" وغیرهما، وبالتالي فإن هذه العملیة ستدفع التنظیم إلى استعادة حیویته من جدید.
4 - تراجع النفوذ الداعشي: خروج "المرابطون" من بیعة "داعش" أدى بشكل ملحوظ إلى تراجع نسبي للتمدد الداعشي في شمال إفریقیا، وبعد هذه العملیة ربما یتمكن تنظیم "القاعدة" من استعادة العدید من المجموعات والأفراد الذین هجروه من أجل الالتحاق بـ"داعش"، وهو ما یمكن أن یؤدي إلى تراجع النفوذ "الداعشي" في منطقة شمال إفریقیا.
5 - تهدید المصالح الخارجیة لفرنسا: فالعملیة الإرهابیة في "باماكو" سوف تشكل تحدیا للفرنسیین الذین یقودون عملیة مكافحة الإرهاب في المنطقة، باعتبارها مؤشرا على تعزیز نفوذ "بلمختار" في مناطق الجنوب اللیبي والشمال المالي التي توجد بها مصالح لفرنسا، كما أن هذه العملیة سوف تدفع بعض المجموعات الجهادیة في المنطقة إلى استهداف المصالح الفرنسیة، خاصة أنه توجد حالة من العداء الخاص من قبل التنظیمات الجهادیة تجاه فرنسا، بسبب دورها في محاربة هذه التنظیمات، وكان المثال الأشهر لذلك هو القضاء على إمارة "أنصار الدین" في شمال مالي، وهذا ما جعل فرنسا تمثل أحد الأهداف المفضلة لدى التنظیمات الجهادیة.
وأخیرا، فإن عملیة "باماكو" التي قام بها تنظیم "المرابطون" بمساندة مجموعة "إمارة الصحراء" التابعة لتنظیم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" تؤكد مدى التماسك التنظیمي بین المجموعات "القاعدیة" في منطقة شمال وغرب إفریقیا، وأن "القاعدة" في طریقها إلى استعادة نفوذها التقلیدي بعد حالة المد "الداعشي" التي اجتاحت المنطقة، لكن في الوقت نفسه ستؤدي إلى اشتعال حالة التنافس بین "القاعدة" و"داعش"، كما أن هذه العملیة تثبت أهمیة وقدرة تنظیم "المرابطون" والدور الذي یمكن أن یلعبه مستقبلیا تحت قیادة "بلمختار"، خاصة أنه یعد بمنزلة التنظیم الأكبر في تلك المنطقة، نظرا لأنه یتكون من تنظیمي "التوحید والجهاد في غرب إفریقیا" الذي یتمیز بأعداد كبیرة من المقاتلین الأشداء، و"الموقعون بالدماء" الذي یتمیز أفراده بالخبرة القتالیة العالیة، وبالتالي فإن كل المؤشرات الأولیة تدفع باتجاه تصاعد موجة العنف في منطقة الساحل الإفریقي خلال الفترة المقبلة.