واقعنا اليوم .. «حرب عالمية» ولكن بالألوان

واقعنا اليوم .. «حرب عالمية»
ولكن بالألوان

مثير لا ريب قدرة الذاكرة الإنسانية على النسيان، والانخراط الجمعي اللاواعي أحيانا في غمرة اليومي الجاهز والسطحي المقدم لها في شكل وجبات سريعة، تتلقاه يقينا مطلقا وقناعات راسخة لا محيد عنها لنظرتها للعالم ولما حولها. إن الأمر كذلك، في زمن سلطة الصورة والإعلام الموجه، فمن حقائق التاريخ أن كل قرار سياسي أو عمل عسكري يسبقه ويسير بحدائه ويعقبه عمل دعائي. لا غرابة إذن أن يكون الواقع المعاصر على هذا الحال.

بالأبيض والأسود
قبل قرن من الآن كانت جزء من العالم، وتحديدا بقايا الإمبراطوريات بالقارة الأوروبية التي كانت على حافة التفكك والانقسام إلى تلكم الدول التي نعرفها اليوم بأوروبا الغربية. كانت هذه المنطقة غارقا في "حرب عالمية أولى" (1914 - 1918)؛ مع التحفظ على التسمية لأنها حاملة لأكثر من تحيز. كانت رحى المعارك وجبهات القتال أواخر سنة 1915 وبداية السنة التي تليها حامية الوطيس على امتداد رقعة جغرافية كبيرة نسبيا بهذه القارة، ولنا في أرشيف التاريخ؛ الذي لا يعرف من الألوان آنذاك غير الأبيض والأسود، ما يكفي لإنعاش ذاكرتنا عن تلك الحقبة التاريخية ومجرياتها.
كتب عبد الله إبراهيم قبل سنوات كتاب "المركزية الغربية: إشكالية التكون والتمركز حول الذات" (1997)، وتحدث الراحل عبد الوهاب المسيري عن المركزية الغربية في عديد من كتاباته، وغيرهما كثير ممن كتبوا عن الموضوع غربيين وعرب على السواء.
لندع كل ذلك جانبا، ولنسافر عبر الزمن قرنا لعصرنا الحالي بالألوان طبعا، لنستعرض بعضا من الجوانب التي تشكل الملامح الكبرى لخريطة العالم المعاصر. شرق أوسط ملتهب؛ فلسطين في انتفاضة للتحرير منذ قرابة القرن من الزمن حتى صارت قضيتها وصمة عار في جبين التاريخ لن تمحى، سورية في حرب لا هوادة فيها للانعتاق والتحرر من ديكتاتورية طاغية زج بالشعب السوري في حرب بالوكالة بين القوى الكبرى جاعلا الثوار من شعب سورية حطبها. العراق في منزلق التفكك والانقسام منذ الغزو الأمريكي تحت بيارق الطائفية والولاء لكل شيء إلا للوطن.

تصدير الأزمات
في الجزيرة العربية يحترق اليمن على مرمى حجر من دول الخليج، التي وجدت نفسها مضطرة لصد المد الصفوي الذي انتشر في شبكة أخطبوطية على أكثر من جبهة أملا في توجيه الأنظار عن الأزمات التي تهدد نظام ولاية الفقيه في الداخل الإيراني.
قارة إفريقيا في معارك على طولها رأسا من ليبيا التي تبحث عن دولة تليق بتضحيات أبنائها ضد مجنون القرن العشرين حتى أعماق الصحراء الكبرى في مالي ونيجيريا وإفريقيا الوسطى ... وغرب إفريقيا (الصومال، جيبوتي، ...) توشك ويلات التطرف والتشدد أن تقضي على ما أبقته المجاعات والأوبئة والأزمات البيئية المتلاحقة.
وسط آسيوي، وتحديدا أفغانستان التي لا يعرف السلم إليه طريقا منذ أيام الاتحاد السوفياتي وبعده الغزو الأمريكي بداية هذا القرن، فالاقتتال الداخلي البيني الممثل في حركة الطالبان ضد الدولة أو مع الدول المجاورة أي الطالبان ضد دولة الباكستان.
أزمة أوكرانية على إيقاع سلم بطعم الحرب لم يهدأ من وقعها أحداثها إلا تحويل أنظار موسكو إلى الشرق الأوسط لمزاحمة باقي القوى الكبرى هنا في صورة أخرى من صور الحرب بالوكالة بين هذه القوى.
فوق كل هذا حرب شعواء تقودها حركات التطرف من "داعش"، "القاعدة"، "بوكو حرام"،... وغيرها ممن ترى العالم قاطبة دارا للكفر، مستبيحة دم من لا ينتمي إلى قبيلتها في الشرق والغرب والبر والبحر والجو على حد سواء. أملا في دولة لا تتحقق إلا في الأحلام، وإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس قوامها الوحدة والتطابق بين أفرادها بعد أن تغلي سنة التنوع والاختلاف والتعدد الذي امتدت منذ بدأ الخليقة على الأرض.

إنكار الحرب
كهذا يبدو عالمنا اليوم أو هكذا أريد لنا أن نراه، لكن ومهما يكن من أمر فالإرهاب والخوف والتهديد ومنسوب الأخطار وجرعات العنف الزائدة التي تحدق بالإنسان أينما ولى وجهه كثرة كاثرة مقارنة بواقع البشرية في أعقاب "الحرب العالمية الأولى".
نتساءل لإذن هل تعددية الألوان وسلطة الصورة في أن تجعلنا في قلب الحدث وقبلهما عدم سريان الأحداث على أرض القوى الكبرى هي من يجعل ما يجري مجرد حوادث متفرقا وليست حربا كونية فعلا؟ ثم أليس واقعنا اليوم أولى بوصف الكونية مما حدث قبل قرن من الآن حيث انحصرت الأحداث بين قوى بعينها في مجال جغرافي محدد ومعلوم؟
بعيدا عن كل تلك الأسئلة ذات حمولة استنكارية أكثر منها استفهامية، نقول أنه يبدو أننا فعليا نعيش زمن حرب لا تريد الأطراف المشاركة فيها أن تقر بذلك لما فيه من انعكاسات عليها من ناحية، ولأن تكنولوجيا واقتصاد عصر العولمة بشركاته العابرة للحدود، من ناحية أخرى لن يسمح لهكذا خبر سياسي طائش أن يكون سببا لتخر أسهم البورصات العالمية نزولا.
نعم فمناطق الحرب والتوتر في ازدادت مع توالي السنين، وكذا رقعة انعدام الأمن والتهديد في اتساع بعدما أصبحنا أمام تطرف معولم عابر للحدود يتطور بشكل للنظر، غير أن كل هذا ليس مبررا لإقناع العقل الغربي للتخلي عن تمركزه عن الأحداث الكبرى في التاريخ واحتكارها لنفسه، حتى إن كانت بشعة.

الأكثر قراءة