الفلاسفة الجدد .. محاولات لتصحيح مسار الأنوار
لم تكن معركة التنوير الأولى، في القرن الثامن عشر، مع الدين في ذاته، ولم يكن موقف التنويريين من الدين متجانسا، فما أملى هذا الصدام جاء من مواضيع تتجاوز الدين ولا ترتبط به بالضرورة. كان التنوير مشغولا بالعلوم وبقيمة العقل وقضية التقدم والسلطة الكنسية، أو كان مشغولا، بلغة أخرى باكتشاف الطبيعة الإنسانية وإمكاناتها. ولم يكن يصطدم بالدين إلا إذا تعارض مع أهدافه الكبرى. بهذه الخلاصة يستهل الكاتب الإنجليزي تيري إيجلتون Terry Eagleton كتابه الصادر قبل سنة.
نعم بالعودة إلى أصول مفهوم التنوير لا بد من التمييز بين معنيين: أحدهما التنوير الذي يدل على عصر فكري وحقبة معينة من أوروبا؛ حتى إن كان هذا التحديد ناقصا لأننا، وببساطة، نؤمن بأن لكل أمة وحضارة تنويرها الخاص بها فتلك سنة من سنن التاريخ. ولا أدل على ذلك أنه لما كان بريق الحضارة الإسلامية قد بلغ أقاصي الأرض كانت أوروبا غارقة في ظلمات الصراعات والحروب والاقتتال.
مهما يكن من أمر، نشير إلى أن التنوير موضوع الحديث كحقبة تاريخية عاشتها أوروبا تزامن مع ما بلغه الفكر الإنساني من تشييد لصرحه على مكتشفات العلوم، وإخضاع جميع المسلمات والأفكار المسبقة لنقد العقل. فكان التنوير بذلك ضد الجهل والخرافة والعقائد الشائعة والأحكام المسبقة، مع إنارة لظلمة النفوس والعقول بواسطة التفكير المنطقي والعلمي.
كان شعار التنويريين "تجرأ على استخدام عقلك الخاص" إقرارا بإنسانية الإنسان وإعلاء لمرجعية العقل وإلغاء لمختلف المرجعيات المسبقة. بيد أن هذا الفكر ما فك ينسلخ عن مساره بفعل بهلوانات مدرسة ما بعد الحداثة التي تعتبر تراكمات فلاسفة الأنوار مجرد خطاب تبريري لقمع وقهر وتسلط الدولة. وعملت بالموازاة على تفكيك مقومات الحداثة، وإلغاء مركزية الإنسان، بل اعتباره جزءا من التاريخ والطبيعة لا أقل ولا أكثر دون أن تكون له أي قيمة في ذاته.
أكثر من ذلك قامت، مدرسة ما بعد الحداثة، بتحريف شق كبير من تراث التنوير. في حين أن المجتمعات تصبح علمانية وتحتفظ بشكل من الإيمان الديني، وقد تتسع مساحة الحضور الديني دون أن تفتقد علمانيتها. باختصار يمكن القول إن الإيمان الديني غير منفصل عن شرطه الاجتماعي التاريخي، وهو ما تعين في زمن ما بعد الحداثة أو "الحداثة المتأخرة" حسب تعبير الناقد فيصل دراج، حيث عاد الدين بقوة إلى الفضاء العام بعد الأزمة الاجتماعية وانعدام الثقة وطغيان التشاؤم تجاه المستقبل.
هذا ما أدركه، في ثمانينيات القرن الماضي، اتجاه فكري يقدم قراءة نقدية لحصيلة فلاسفة الستينيات أي المدرسة الشكية، التي تتهم من طرف هذا التيار بالانحراف عن مسار التنوير، وتنفير الناس من التفكير الفلسفي. وقد سعى "الفلاسفة الجدد" الذين يطلقون على أنفسهم "التنويريون الجدد" إلى محاولة لاستيعاب أطروحة ما بعد الحداثة، وتقديم تجاوز نقدي لها بالعودة إلى أصول التنوير مع الآباء المؤسسين له.
وهذا ما يظهر جليا في أعمال ومؤلفات واحد من أبرز رواد جيل "الفلاسفة الجدد" وهو الفيلسوف لوك فيري Luc Ferry الذي فضل أن يروي لقرائه تاريخ الفلسفة في مؤلف يحمل عنوان "تعلم الحياة" بأسلوب تعليمي مميز سرعان ما يسلب لب قارئه بعيدا عن تركيب لغة "المابعديات" في فلسفة التفكيك، وعلى الشاكلة نفسها جاء آخر مؤلفاته بعنوان "ثورة الحب" الذي لا يزال يصنع الحدث في المشهد الفكري الفرنسي.
أما "أندري كونت سبونفيل" فقد طرح ذات مرة سؤالا إشكاليا أثار حفيظة الرأي العام الفرنسي مفاده: "هل يحق لي أنا غير المتدين أن أشطب على ألفي سنة من الحضارة الأوروبية التي كانت مجبولة بالمسيحية؟ بأي حق أمتنع عن نقل القيم الأخلاقية ذات الأصول المسيحية إلى أطفالي بحجة أنها دينية؟ وهي القيم التي ورثتها عن آبائي وأجدادي أو تلقيتها في طفولتي؟".
ليظل بذلك هؤلاء محط تقدير واهتمام كبيرين من قبل القراء بسبب أسلوبهم القائم على التبسيط وقبول التراكم والحرص على الأنسنة بالتأكيد على مركزية الإنسان في هذه الحياة، وهذا ما جعل فلسفتهم تتوجه إليه بمختلف مستوياتها.
إن عودة هؤلاء إلى الفكر التنويري بمنزلة إعادة تأسيس الأنوار من خلال الاحتفاظ بالمورث بعد إخضاعه للفحص النقدي، وبهذا الصنيع لن يخون هؤلاء الأنوار، وإنما على العكس من ذلك سوف يبقون أوفياء لها، حرصاء على تنقية التراث الأنواري من كل الرواسب التي ألحقت به مع مرور الزمن، وتطهيره من براثن الأيديولوجيا التي حولت الفكر الأنواري إلى عدو للدين والإيمان في حين أن واقع الحال نقيض ذلك تماما.