«اختلال العالم» .. قرن جديد بلا بوصلة

«اختلال العالم» .. قرن جديد بلا بوصلة
«اختلال العالم» .. قرن جديد بلا بوصلة

"ظل الإنسان باقيا حتى الآن لأنه من فرط جهله لم يكن قادرا على تحقيق رغباته. والآن وقد بات قادرا على تحقيقها، عليه أن يبدلها أو يهلك". وليام كارلوس ويليامز (1883 ــ 1963). بهذا الاقتباس يشير الكاتب والباحث أمين معلوف، في كتابه المعنون باختلال العالم إلى دخولنا القرن الجديد ولكن "بلا بوصلة". إذ إنه ومنذ الأشهر الأولى، وفقا لمعلوف، أخذت تحصل أحداث مقلقة تحمل على الظن بأن العالم يعاني اختلالا كبيرا، وفي عدة ميادين معا ـــ اختلالا فكريا، اختلالا ماليا، اختلالا مناخيا، اختلالا جيوسياسيا، اختلالا أخلاقيا.

إن مصير الأقليات، بالنسبة إلى كل مجتمع، وبالنسبة إلى الإنسانية جمعاء، ليس ملفا كسائر الملفات، وإنما هو، بالإضافة إلى مصير النساء، أحد أصدق المؤشرات على التقدم الخلقي أو على التقهقر. وإن عالما يتحسن فيه يوميا احترام التنوع البشري، حيث يمكن لكل شخص أن يتكلم اللغة التي اختارها، وأن يمارس معتقداته بسلام، ويؤكد أصوله بهدوء دون أن يتعرض للعداوة ولا للاحتقار من جانب السلطات كما من جانب الناس، إن عالما كهذا هو عالم يتقدم، ويرتفع.

وبالمقابل، إذا تغلبت التشنجات الهووية كما هي الحال اليوم في الأغلبية الكبرى من البلدان، في شمال الكرة الأرضية كما في جنوبها، حيث يجد الإنسان صعوبة متزايدة كل يوم في أن يكون هو نفسه بصفاء، وأن يتكلم لغته بحرية ويمارس إيمانه بحرية، فكيف يمكن ألا نتكلم عن تقهقر؟

#2#

لقد أحسست بالقلق بنوع خاص، خلال سنة 2007، إزاء الأخطار التي تتعرض لها أقلية صغيرة طالتها العاصفة وباتت مهددة بالانقراض بعد فترة قصيرة، ألا وهي جماعة المانديين، زو الصابئة، التي هي طائفة صغيرة، متكتمة، متواضعة، إلى حد يجعل وجودها معروفا فقط عند قليل من الناس خارج العراق.

كنت أنا بالذات، يكتب معلوف، قد سمعت هذا الاسم لأول مرة سنة 1988، حين كنت أقوم بأبحاث حول ماني، مؤسس المانوية، وهو شخصية مدهشة عاش في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث الميلادي.

في أثناء بحثي عن وثائق تتعلق بفتوة الرجل وولادة مذهبه، عرفت أنه عاش أول سني حياته مع أبيه في أجمة نخيل على ضفاف دجلة، جنوبي بغداد الحالية، في كنف جماعة من أهل الغنوص تكرم القديس يوحنا المعمدان وتمارس، أسوة به، طقوس المعمودية بالماء. اكتشفت آنذاك بافتتان أن هذه الجماعة الفريدة، التي كان يمكن اعتبارها منقرضة منذ قرون، لا تزال باقية وتعيش في المكان إياه تقريبا، وتمارس طقوس المعمودية إياها في النهر إياه. بأية معجزة كان ذلك؟ أنا عاجز عن الإجابة. إن جزءا من التفسير موجود في مقطع من القرآن يمنح "أهل الكتاب" مكانة خاصة، كاليهود أو النصارى أو الزرادشتيين، ويذكر أيضا الصابئة وهذه تسمية تبدو مشتقة من جذر سام يذكر بفكرة المعمودية بالماء.

وتمكنت هذه الطائفة، باعتمادها على هذا الاعتراف، من أن تجتاز الـ 14 قرنا كيفما كان. لم يكن هذا يسيرا قط؛ كان يغض النظر عن وجودها، لا أكثر، وكان عليها أن تكون دائما متكتمة، الأمر الذي لم يكن كافيا على الدوام لحمايتها من الاضطهاد بين حين وآخر ومن الإهانات اليومية.

على طول تلك المرحلة، كان هؤلاء الناس متمسكين باسم «الصابئة» الذي يذكر جيرانهم المسلمين بما جاء عنهم في القرآن، ومتمسكين في الوقت ذاته باسم «المانديين» المشتق من جذر سامي يشير إلى فكرة «المعرفة» التي يقابلها الغنوص عند الإغريق.

فتمكنوا تحت هذه التسمية المزدوجة من الحفاظ على إيمانهم وعلى تماسك طائفتهم؛ إلى ذلك، ورغم التزامهم بأن يكتبوا ويتكلموا بالعربية، استطاعوا أن يحافظوا على لغتهم الخاصة بهم، التي يسميها الاختصاصيون اللغة «الماندية»، وهي أحد أشكال الآرامية، ويقال حتى إنها تحتوي على مفردات سومرية الأصل. وهي، على كل حال، لغة ذات آداب غير معروفة.

إن تمكن هذه الطائفة الغنوصية الأخيرة من البقاء حتى يومنا هذا أمر لا ينفك يثير في نفسي العجب والانفعال منذ عشرين سنة. وهو يماثل نوعا ما فرضية العثور اليوم، في جنوب فرنسا، على الوادي الشديد الوعورة الذي يفترض أنه كان ملجأ طائفة الكاتار التي يقال إنها نجت بأعجوبة من الحروب المقدسة كما من الاضطهادات العادية، وظلت تمارس طقوسها بلغتها، لغة أوك.

لم أختر هذا المثال مصادفة. فإننا حين نسعى إلى معرفة أصول مذهب الكاتار وسائر الحركات المستلهمة من المانوية، التي انتشرت في أوروبا بين القرنين العاشر والثالث عشر، كطائفة البوغوميل في بلغاريا وفي البوسنة، أو طائفة الباتاران في إيطاليا، إنما نجد مصدرها الأول في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث الميلادي، في أجمة النخيل تلك الواقعة على ضفة نهر دجلة، حيث نشأ مذهب ماني.

من اليسير أن يفهم القارىء دوافع استنكاري حين عرفت، في آذار (مارس) 2007، أن المانديين يواجهون الآن خطر الانقراض، لأنهم يعانون، كسائر العراقيين، مفاعيل الجنون القاتل الذي ينتاب هذه البلاد، وكذلك لأنه، في غمرة هذا الانفلات غير المسبوق للتزمت الديني، لم يعد حتى «الوازع القرآني» قادرا على حمايتهم.

وراح خطباء متطرفون ينكرون عليهم الآن الصفة التي أعطاهم إياها كتاب الإسلام المقدس بكل وضوح؛ وفي الفالوجة، اعتنقت عائلاتهم المروعة الإسلام مكرهة والسكين على نحرها؛ وفي بغداد كما في سائر أنحاء البلاد، طرد المانديون من وظائفهم، وهجروا من بيوتهم، ونهبت متاجرهم. وقد كتب إلى أحد ممثليهم يقول: «سبق لنا أن مررنا بألف محنة، لكن هذه قد تكون وبيلة. نحن مهددون بالزوال في وقت قريب». إن عددهم القليل من قبل، قد انهار من جديد.

كان عددهم في العراق بكامله يناهز الثلاثين ألفا، سنة 2002، وبعد أربع سنوات، لم يعد أكثر من ستة آلاف. وباتت جماعتهم مشتتة، مطاردة، يساورها الخوف والارتباك، ولا تستطيع أن تتجمع في أي مكان، ولا أن تمارس شعائر دينها؛ ولم يعودوا يعرفون حتى أين يدفنون موتاهم.

لقد تنادى بضعة أشخاص أخيرا لأجل مساعدتهم؛ وبوشر القيام بعمل غير معلن أتاح لمعظم العائلات أن تجد لها مكانا تلجأ إليه ـــ في أسوج بصورة رئيسية. على أنه لم يعد لهذه الطائفة سوى فرصة ضئيلة للبقاء بصفتها هذه. وبعد بضع سنوات، لن يعود هناك من يتكلم لغتها، ولا تعود طقوسها سوى شبه طقوس. وهكذا تكون ثقافة ألفية قد اندثرت أمام عيوننا، في جو من اللامبالاة.

توخيت من كلامي هنا عن المانديين أن أشير إلى أن مأساتهم تكشف، كما يلوح لي، عن الضلال الذي تغرق فيه حضارتنا. فأن تكون جماعة كهذه قد تمكنت من عبور الكثير من القرون حتى تأتي وتتلاشى أمامنا، لهو أمر يدل على مدى بربرية عصرنا، خصوصا بربرية العالمين الثقافيين اللذين أنتمي إليهما، أي العالم العربي والغرب.

فالأول منهما يبدو اليوم عاجزا عن تقبل ما كان يتقبله قبل 50 سنة، أو 100 سنة، أو حتى ألف سنة. إن بعض الكتب التي نشرت في القاهرة خلال ثلاثينيات القرن المنصرم هي اليوم ممنوعة بسبب كفرها؛ وإن بعض المناقشات التي كانت تدور في القرن التاسع في بغداد، وبحضور الخليفة، حول طبيعة القرآن، يتعذر حتى التفكير بها في أيامنا هذه في أية مدينة إسلامية، حتى داخل حرم جامعة.

وحين أفكر في أن أحد أكابر الشعراء العرب القدامى معروف في العالم بلقب المتنبي لأنه في زمن شبابه طاف في العراق وفي شبه الجزيرة العربية مدعيا النبوة! في ذلك الزمن، أي القرن العاشر، كان الأمر يقابل بهز الكتفين، والسخرية، وتقطيب الحاجبين، لكنه لم يمنع المؤمنين من الاستماع إلى الشاعر والإعجاب بموهبته؛ ولو أنه فعل هذا اليوم لكان مصيره الشنق أو قطع الرأس دونما حاجة إلى الشكليات.

البربرية في الغرب ليس قوامها التشدد والظلامية، بل الغطرسة وقساوة القلب. فالجيش الأمريكي تدفق على بلاد ما بين النهرين العريقة في القدم كفرس ماء يسرح ويمرح وسط حقل من الخزامى. وباسم الحرية والديمقراطية، راح يهدم ويقتل. وبعد ذلك، بعد سقوط 700 ألف قتيل، سينسحب وتصدر عنه كلمة اعتذار غامضة. لقد أنفق نحو ثلاثة تريليونات دولار، ونحو ضعفي وحتى ثلاثة أضعاف هذا الرقم حسب تقديرات أخرى، لكن البلاد التي احتلت أفقر من ذي قبل. لقد شاؤوا أن يحاربوا الإرهاب، لكن هذا مزدهر اليوم أكثر منه في أي وقت مضى. لقد وضعوا في الواجهة إيمان الرئيس بوش المسيحي، فبات صليب كل كنيسة اليوم مشتبها بتعاونه مع المحتل. لقد زعموا أنهم يقيمون الديمقراطية، لكنهم توسلوا ذلك على نحو جعل حتى فكرة الديمقراطية موضوع جرسة إلى أمد بعيد.

ستبل أمريكا من جرحها العراقي. لكن العراق لن يبل من جرحه الأمريكي. يكتب معلوف، كما ستفقد طوائفه الأكثر عددا مئات آلاف الموتى أيضا؛ أما طوائفه الأضعف فلن تجد أبدا المكان الذي كان لها فيه؛ هذا لا يعني المانديين واليزيديين وحدهم، بل يشمل أيضا الآشوريين ـــ الكلدانيين الذين يكفي أن نلفظ اسمهم حتى نتذكر لحظات رائعة في مغامرتنا الإنسانية العظيمة. إن مصير كل هذه الأقليات قد تقرر اليوم؛ فهي في أفضل الحالات ستواصل مسيرتها التاريخية في أرض لجوئها البعيدة؛ وفي أسوأ الحالات ستباد على أرضها، مسحوقة بين فكي البربرية الراهنة المتنافرين.

الأكثر قراءة