حروب المستقبل .. إلكترونية على غرار أفلام هوليوود

حروب المستقبل .. إلكترونية على غرار أفلام هوليوود

ليس من المبالغة في شيء القول إن مقولة "وما خفي كان أعظم"، تنطبق على الحرب التي نعيش على إيقاعها منذ سنوات لا بل عقود، نعم حرب خفية قذرة ضربها تحت الحزام، ومن لا يراد له أن يعمل أنا وأنت وآخرون.

سمة «هوليوودية»
لم يكن في الحسبان قط أن يتحول العالم الافتراضي؛ وتحديدا المجال الإلكتروني إلى ميدان حرب وساحة للوغى على غرار البر والبحر والجو. لا بل أضحى شبه يقين أن الحرب الإلكترونية (Cyberwar) ستكون أبرز سمة لحروب المستقبل، وعليه ستصير إبداعات كتاب سيناريو ومخرجي أفلام هوليود حقائق واقعية ستعيش على إيقاعاتها البشرية في القادم من السنين.
يندرج الموضوع ضمن اللامفكر فيه عربيا، إذ قلة قليلة من الأقلام من حاولت إثارة بعض من جوانبه المتشعبة وكشف بعض خباياه الجمة. دعونا نميز بدء إذن بين أبرز الأشكال التي يمكن أن يتخذها الصراع في المجال الافتراضي، وهي تباعا بحسب درجة قوتها: التخريب الإلكتروني، الجريمة الإلكترونية، التجسس الإلكتروني، الإرهاب الإلكتروني وأخيرا الحرب الإلكترونية. وغني عن البيان أن كل صنف من هؤلاء له دلالة وعناصر تحدد الأطراف المتدخلة فيه، وما يفضل عنه من نتائج ... إلخ، ما لا يتسع المجال للتفصيل فيه.

أول اختراق
جدة المسألة ظهرت بجلاء عند محاولة وضع تعريف للمفهوم، حيث لم نقف ضمن ما قدم من تعاريف على مفهوم جامع مانع شامل يمكن اعتماده. تاريخيا تعود أول علمية نوعية تندرج ضمن هذا المجال إلى المخترع ماركوني الذي ابتكر أول جهاز برق لاسلكي قبل بضع سنوات من اندلاع الحرب بين روسيا والإمبراطورية اليابانية، نحن هنا في عام 1904، وكانت هذه هي أول الحروب التي استخدم فيها الراديو أو الإشارات اللاسلكية من قبل القوات البحرية، وتم اختراقها بواسطة هذا الجهاز.
في سياق التحديات دائما نود التمييز بين صنفين من العاملين في هذا المجال، حيث يتم الحديث:
- في مستوى أول عن "هاكرز" (Hackers): أي كل من يعتمد على برامج التجسس الجاهزة والمتاحة لاستخدامها في زرع ملفات تجسس في حواسيب الأهداف عن طريق الثغرات في أنظمة المعلومات، ومن ثم إلحاق الضرر بها أو استخلاص معلومات منها.
- في مستوى ثاني نتكلم عن "كراكرز" (Crackers): وهم المحترفون الذين يبحثون عن كيفية عمل أنظمة التشغيل والبيانات، فالتركيز عندهم منصب على الاختراق لا عن كيفية التشغيل، حيث يتم تحليل الأنظمة واكتشاف ثغراتها وبرمجة فيروسات تنجح في الدخول عن طريق تلك الثغرات لتحقيق الأهداف المطلوبة سواء بالسيطرة أو الحصول على البيانات أو سرقة الأموال.

خسائر عظيمة
مع ثورة التكنولوجية فرضت الحرب الإلكترونية نفسها في واجهة الأحداث، ويعود أول اعتداء صريح من دولة على أخرى إلى الهجوم الإلكتروني الذي كانت دولة آستونيا ضحيته سنة 2007، وتشير المعطيات إلى أن روسيا هي منفذة الهجوم الذي شل المواقع الإلكترونية الحكومية والتجارية والمصرفية والإعلامية مسببا خسائر بملايين الدولارات.
في صورة أخرى من صور هذه الحرب غير المتكافئة نجد رواد العالم الافتراضي يقودون معارك ضد قوى كبرى في العالم في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، كلنا نذكر أسماء وقصص نشطاء مشهورين بسبب هذه الحروب مثل جوليان أسانج صاحب مشروع حرب عاصفة (موقع ويكيليكس/ 2006) الذي ما يزال قابعا في سفارة الإكوادور في العاصمة البريطانية لندن.
وإدوارد سنودن الذي شنجت قصته العلاقات الدبلوماسية في مشارق الأرض ومغاربها بين القوى الكبرى في العام، حين سرب الرجل في يونيو 2013 وثائق سرية إلى صحيفتي "جارديان" و"واشنطن بوست"، تكشف التجسس الذي يخضع له العالم من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكي ما أشعل حربا ضروسا في الداخل الأمريكي، وكذا على الصعيد الدولي.

وعي متصاعد
بعيدا عن مجريات الحرب الضروس الآن يعمل عديد من الدول وعيا منه بخطورة الأمر وتحسبا لأي جديد في المجال على تطوير قدراتها وبناء نواة جيوش "المجال الخامس"، وتأتي في مقدمة هذه الدول الصين، روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا وفرنسا، ثم في مستوى ثان يمكن أن نضع كلا من الهند والباكستان، إيران وكوريا الشمالية.
ولا بأس من الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة قامت أواسط عام 2010 بإنشاء قيادة عامة للإنترنت تحت مسمى "سايبركوم"، ووضعت على رأس إدارتها وكالة الاستخبارات القومية الجنرال كيث أليكساندر قائدا عليها مهمته حماية الشبكات العسكرية الأمريكية. وتضم هذه القيادة حاليا ما يفوق عشرة آلاف فرد من نخبة القراصنة والجواسيس الإلكترونيين المحترفين وكلهم يعملون تحت مراقبة هذا الجنرال.
يحدث كل هذا بعيدا عن أعين العرب أو قريبا منهم لا ندري، لكن كل ما يدرك جيدا أنه وإلى حدود عام 2015 لا دولة عربية ورد اسمها ضمن قوائم الدول التي لها تراكم في هذا المجال أو على الأقل لديها رؤية استراتيجية لتدبير حروب العالم الافتراضي.
نقول هذا ولسان الحال يردد حسرة على الواقع العربي مقولة مفادها: "إن كنت تعلم فتلك مصيبة وإن كنت جاهلا فالمصبية أعظم"، أي نعم فعلم الدول العربية بواقع الأمر دون حركة مماثلة أو مبادرة حمائية منهم مصيبة، أما إن كان معطيات الميدان كما ذكرنا وهم في دار غافلون فالمصيبة آنذاك أعظم.
لكن يبدو أن واقع الحال يسير إلى أن يعيد التاريخ نفسه بتكرار واقعة هجوم الأوروبيين علينا إبان الحملات الاستعمارية بأحدث المعدات العسكرية للثورة الصناعة فكان الشغل الشاغل لنخبنا العسكرية والثقافية والدينية والسياسية معا مدى حلية أو حرمة استعمال هذه الآلات في وقت تسقط فيه البلدان والثغور في أيادي الأوروبيين تباعا.

الأكثر قراءة