«فرص التغيير» .. الثورة التقنية تعيد صياغة العالم

«فرص التغيير» .. الثورة التقنية تعيد صياغة العالم
«فرص التغيير» .. الثورة التقنية تعيد صياغة العالم

"فرص التغيير" كتاب صدر عن دار الفارابي للباحث رياض صوما. وفيه يستعرض الكاتب بدايات التقنية والمجتمع وصولا إلى فرص التغيير الممكنة في ظل التسارع العلمي طبيعيا وتقنيا. فبعد مقدمة ابن خلدون، وكتابات أوغست كونت والاشتراكيين الأوروبيين الأوائل، ومادية كارل ماركس وفريدريك إنجلز التاريخية، بات أي تحليل لحركة التاريخ على المستويات السياسية والاستراتيجية والأيديولوجية، بحسب صوما، يستند بالضرورة إلى البعد الاقتصادي- الاجتماعي لتلك الحركة.

هذا البعد المرتبط بدوره بمستوى تطور القوى المنتجة، أي بتطور العلوم والتقنيات بصورة عامة. فمن المرتكزات الأولى للاقتصاد السياسي، والاقتصاد السياسي الماركسي تحديداً، الانطلاق من مستوى التطور التقني لأدوات الإنتاج، كأحد معايير تحديد مستوى تطور القوى المنتجة، وبالتالي فهم طبيعة التناقضات الاجتماعية والسياسية المواكبة لها.

يرقى هذا القول إلى مستوى البداهة بالنسبة إلى معتنقي الفكر الماركسي، ويحظى بقدر من القبول، من جانب أنصار العقلانية في ميدان الفكر الاقتصادي-السياسي وفلسفة التاريخ. فعندما كتب فريدريك إنجلز مؤلفه (جدل الطبيعة)، لم يكن تركيزه على استعراض أهم المنجزات العلمية المتحققة آنذاك، سوى التأكيد العملي على المنهجية الجديدة في النظر إلى مجرى التاريخ البشري. وقد أوضح الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لتلك المنجزات، بهدف صياغة خلاصات تدعم مفاهيم المادية التاريخية التي شارك كارل ماركس في صياغتها، وكانت الثورة العلمية الحديثة حينها، ما زالت تخطو خطواتها الأولى. فما كان عساه يكتب اليوم في هذا المجال، لو قيض له أن يشهد القفزات المذهلة التي حققها العلماء والبحاثة والتقنيون، منذ مطلع القرن العشرين وحتى يومنا هذا؟

في سياق المنهجية ذاتها، من المفيد الإضاءة على دور الثورة التقنية المعاصرة في مجرى التطورات العالمية الراهنة، اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً واستراتيجياً، والنظر إلى الطابع المزدوج لوجهي هذه الثورة، الوجه الدافع إلى التقدم من جهة، والوجه المولد للأزمات من الجهة المقابلة، ارتباطاً بطبيعة القوى الاجتماعية الممسكة بزمامها، حيث إن فهمنا للتحولات العالمية العاصفة راهناً ومستقبلاً، يتطلب ربطها بالشروط التاريخية التي تجري في إطارها، وفي مقدمتها وتيرة الثورة التقنية المشار إليها.

وهنا لا بد من التذكير بأن هذا الترابط بين طبيعة التحولات التاريخية وبين مستوى نضج تقنيات الإنتاج والتبادل، قد رافق التقدم البشري منذ فجر التاريخ، ولكنه دخل طوراً نوعياً متميزاً مع بزوغ عصر الأنوار وولادة الرأسمالية في أوروبا.

وهي الفترة التي شهدت مقدمات الثورة العلمية الحديثة. إذ بدأ آنذاك رهط من العلماء الأوروبيين الأفذاذ، أمثال باولو توسكانيللي ونيكولاس الكوساي وجورجيو برونو وكوبرنيكوس وغاليلي، وغيرهم، يطرحون على أنفسهم، وعلى الوعي البشري أسئلة كهذه: ما هي بالضبط العلاقة بين الأرض والشمس؟ كيف يمكن قياس حركة الشمس بدقة حسابية؟ كيف تتحرك الكواكب السيارة كمجموعة مرتبطة بالشمس؟

ومع تلك الأسئلة، بدأت ثورة علمية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، استمرت مندفعة بقوة وزخم حتى يومنا هذا. لم يكونوا وحدهم في بداية تلك الثورة المعرفية، بل ساهم فيها إلى جانبهم، عدد من الرحالة، أمثال ماركو بولو وكريستوف كولومبوس ولورنزو بونينكوتري وغيرهم، فوسعوا حدود اليابسة ورسموا خريطة جغرافية جديدة للكرة الأرضية.

#2#

وكذلك آخرون، أمثال إسحق نيوتون وباسكال وتوريتشيللي الذين قاموا بصياغة عدد من قوانين الفيزياء الحديثة، وأمثال لافوازيي وبروست وبيرثولي الذين نجحوا باكتشاف، عناصر أساسية من عناصرالطبيعة، وطرق متنوعة لاستخراج العديد من المركبات الكيميائية، كما نجحوا في تحديد صفاتها واستخداماتها الصناعية والعلاجية.

هذا دون أن ننسى، بعض أبرز رواد الطب والبيولوجيا وعلم الأجناس، أمثال لامارك وداروين وباستور. وواكب طليعيي العلوم الاختبارية هؤلاء، عدد آخر من مفكري العلوم الإنسانية، ممن تركوا بصمات لا تمحى على التاريخ الإنساني، نذكر منهم: كانت، هيوم، هوبز، ديكارت، هيجل، آدم سميث، ريكاردو، فيورباخ، كارل ماركس، إنجلز، كونت، وغيرهم، مما لا يتسع المجال لذكرهم، على الرغم من أهمية الدور الذي قاموا به.

نعود إلى تلك المساهمات، لأنه لا يصح منهجياً وعملياً، فصل تاريخ الحداثة الرأسمالية في أوروبا، أولاً، ثم في العالم، عن تلك الثورة المعرفية والتقنية، التي غيرت ولا تزال تغير كل جوانب الحياة الإنسانية، من أساليب الإنتاج والاستهلاك، إلى النظم السياسية والحقوقية، مروراً بالتصورات الأيديولوجية والقيم الأخلاقية، دون أن ننسى وسائط القتال والاستراتيجيات العسكرية. فكما ارتبطت ولادة الرأسمالية ببدايات الثورة العلمية التقنية، ارتبطت قفزاتها وأزماتها بوتائر تقدم التقنيات وسرعة انتشارها، وسترتبط نهايتها بمستقبل هذه الثورة التقنية المتسارعة.

فهل يمكن فهم ديناميات العولمة الراهنة، وحتى الأزمات المالية الاقتصادية الخطيرة التي مر بها العالم، بعيداً عن الثورة المعلوماتية التي أتاحت تحريك آلاف مليارات الدولارات يومياً على نطاق العالم بما عقد ويعقد القدرة على مراقبتها عملياً؟ أو تفسير استراتيجية السيطرة على منابع النفط وممراته خارج إطار أهمية الطاقة لتحريك عجلة الحياة في العالم، وصعوبات نشر تقنيات الطاقة البديلة وتكلفتها العالية خلال العقود القادمة؟ أو تخيل مشاريع الانتشار العسكري للقوى العظمى في العالم، وخاصة مشاريع الولايات المتحدة، بمعزل عن ثورة المواصلات والاتصالات؟ ... إلخ.

يصعب ذلك بالتأكيد، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما ينتظرنا على هذا الصعيد. فمع أن الاكتشافات العلمية والتطبيقات التقنية التي أنجزت خلال القرن العشرين، قد تجاوزت مجمل ما توصلت اليه البشرية منذ فجر التاريخ المدون، فإن ما يتوقعه العلماء والباحثون للقرن الحالي، الواحد والعشرين، سيفوق ما تحقق طوال القرن السابق بكثير، وفي مختلف مجالات المعرفة النظرية والتطبيقات العملية. فالعالم يقف على أعتاب حقبة من التقدم العلمي المتسارع، ستحكم في النهاية مجمل التطورات العالمية المقبلة، سواء على صعيد أنماط الإنتاج والتبادل، أو الإدارة والسيطرة، أو بناء القوة واستخدامها، أو إنتاج المعرفة وتعميمها، أو التأثير في الرأي العام وتوجيهه،... إلخ، ودون الانزلاق إلى نوع من الرؤية الميكانيكية للعلاقة بين طبيعة ووجهة الأحداث العالمية، وبين مستوى تقدم الثورة التقنية، يمكننا التأكيد على عمق الترابط بينهما. ولم يكن عبثاً أو مبالغة على كل حال، تسمية الاقتصاد المتقدم، منذ الآن، اقتصاد المعرفة.

فالنسبة الكبرى من زيادات الإنتاج الراهنة والمتوقعة، على المستويات العالمية والإقليمية، ستأتي عن طريق زيادة الإنتاجية، المرتبطة مباشرة بمعدلات التطور العلمي والتقني، أكثر من ارتباطها بزيادة حجم القوى العاملة. لذا يلاحظ في أغلب الدول المتقدمة، ثبات الاهتمام بمستوى الإنفاق على البحث العلمي، النظري والتطبيقي، ومستوى نوعيته ومردوديته. بل أكثر من ذلك، يرى كثيرون أنّ صورة العالم القادم، بخطوطها العامة، ستتحدد من خلال طبيعة الإنجازات والتطبيقات العلمية والتقنية المقبلة.

وتراتبية القوة بدورها ستزداد ارتباطاً بمستويات الإنجاز العلمي والتقني. والمجتمعات التي لن تعي أهمية انخراطها في معركة استيعاب التكنولوجيا، أو التي ستفشل بذلك، نتيجة عجزها عن تأمين الإنفاق اللازم لاكتساب القدرات العلمية الحديثة، أو لأي سبب آخر، ستجد نفسها أشد تخلفاً وتهميشاً، وربما ستصبح خارج التاريخ. فالسباق إلى تملك التقنيات الحديثة يصبح أكثر فأكثر، قضية حياة أو موت، سواء بالنسبة للأفراد أو للمجتمعات. من هنا تظهر أهمية القاء نظرة سريعة على الإمكانات والتحديات التي يواجهها وسيواجهها عالمنا، كما يراها المختصون، لأنها ستحدد مستقبله، ومستقبلنا. من المؤكد أن التطورات العلمية والتقنية القادمة لن تستثني بآثارها المباشرة وغير المباشرة، أي جانب من جوانب الواقع المحيط بالكرة الأرضية، من البنى المادية، إلى البنى البيولوجية، وصولاً إلى البنى الاقتصادية والاجتماعية.

ويخلص الكاتب رياض صوما في تقديمه لهذا المبحث إلى أنه ليس المقصود هنا القيام باستعراض شامل وتفصيلي لكل السيناريوهات المحتملة للتطور العلمي والتقني القادم، وانعكاساته المختلفة من أجل استخلاص ما يرتبط بموضوعنا.

فالمهم، استشراف الوجهة العامة للتطورات المحتملة، خاصة تلك المتوقع منها أن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر، في الشروط الموضوعية للحياة، وعلى طبيعة التطورات في مجال الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، وكذلك على صعيد التوازنات الاستراتيجية، وعلى أوضاع المنتجين بعقولهم وسواعدهم.

الأكثر قراءة