نحن العرب .. في انتظار «فيلسوفنا» المخلِّص
أي فيلسوفنا المأمول حلوله قريبا، أعلم أننا ما زلنا ننتظر إطلالتك علينا وجديدك حول قضايا واقعنا القابع في واقعيته المفرطة لدرجة الجمود المطلق، فأنت الذي سينقذنا لا محالة من تشردنا الفكري، وتبعيتنا السياسية والاقتصادية، واطمئناننا إلى الهزيمة استسلاما لها بدل قتالها بكل بسالة، وأنت كذلك من سيعلمنا كيف نقرأ ما جادت به قريرة معلمنا وجدنا أرسطو، وكيف أن منطقه وإن عرف اهتزازاته الكبيرة فإننا مازلنا في حاجة كبيرة إليه، مازلنا في أمَسِّ إلحاجة إلى من يعلمنا كيف نفكر تفاديا للعِصْمَة من الزّلَلِ، سعيا إلى اكتشاف سحر العقل وإمكاناته التي ما إن تنتهي حتى تبدأ من جديد.
فيلسوفنا الغالي الوقور، إننا نعرف مسبقا أن فعل الانتظار يجثم على القلوب مثلما الأنفاس، خاصة إذا طال وعَمّر إلى درجة فقدان الأمل، لكن ثقتنا فيك لن تضمحلَّ أبدا ونحن نعقد عليك مهمة تخليصنا من هذا الذي لسنا راضين عنه بتاتا، من ثمة فإنه كلما طال انتظارك إلا وكبرت معه أمانينا، حيث مازلت تفكر وتتأمل وتقرأ وتكتب بحثا عن وصفة قلما خطرت ببال فيلسوف قبلك، لهذا فكلما تأخرت كلما زادت فعالية ما ستعلمنا إياه تحريكا للخطوة الأولى، وسعيا إلى تشخيص يمكننا من معرفة من نحن بكل واقعية وبكل فعالية أيضا.
أيها المعلم الثالث القادم لا محالة اليوم أو غدا، إننا نعلم علم اليقين أنك غير راض على ما نحن عليه، وأنت الملمّ بكل ما نكتب وبكل ما نهتم به، واقفا عند كل كبيرة وصغيرة، متحسرا على تفاهاتنا التي نعتقدها إبداعا، غاضبا على أخطائنا وسوء معرفتنا بالفلاسفة وأنساقهم، منتظرا من أحدنا أن يسير على منوال ديدرو الذي استطاع أن يكسب حب وتقدير مجايليه من الناس لدرجة تحديهم تعاليم الكنيسة المستبدة لمصلحة الأنسيكلوبيديا، لهذا نعدك ومن هذا المنبر بالوقوف إلى جانبك حتى ولو كلف هذا الوقوف نهاية أنفاسنا، مادامت كل مغامرة فكرية تؤدي بصاحبها إلى الزوال والأفول جسدا لا فكرا، مثلما حصل لسقراط وهيباتيا والحلاج وابن المقفع وكوبرنيك وغاليلي.. بيد أنهم مازالوا أحياءً يعيشون بين ظهرانينا رغما عن تغييرات الزمن ورداءته، لهذا حتى إن حصل ما لا يحمد عقباه فإن إطلالتك ستلبس معطف المقاومة، كما ستعلي من العلم على حساب الجهل. سيدنا الأول والأخير، لاشك أن مقامك عندنا شيدناه في انتظار حلولك، مثلما حاولنا تشييد فكر قويم وعملي دون التمكن من ذلك، لصعوبة الأمر، وثقل المهمة، وعناد الواقع، صحيح أننا لن نكون مريديك وأنت الشيخ الذي يطاع، لأنك تؤمن بالنقد البَنّاء لا بالعجرفة الجوفاء الذي تقتل فينا حس التفكير، وتحيي فينا وهم التفوق في زمن الانحطاط، لهذا أنا واثق من أنك ستستمع إلى ما كنا نعتقده كتابات وإسهامات، ستشجعنا وإن كنا مجانبين للصواب، كما ستقسو علينا قسوة الأب المحب لأبنائه لا قسوة السادي على ضحاياه، وإننا لهذا الأمر لمنتظرون بفارغ الصبر.
فيلسوفنا المعلم، إننا في حاجة كبيرة إليك، كي ننصت إلى موقفك من التطرف، كي تقف عند أسبابه التاريخية والإبستيمولوجية والبنيوية، ثم تشرح لنا كيف أصبح دَيْدَنَ غالبية العامة والخاصة، ستقول لنا بكل حكمة لماذا بات يأكلنا مثلما تأكل النار الحطب، ولماذا سقطنا بين براثنه من حيث لا ندري، وكيف عَمّر الانحطاط على كل الأصعدة بعد محاولات تنويرية كان المعتزلة أبطالها إلى جانب ابن رشد وأبي حنيفة النعمان وابن عربي.. ستشرح لنا هذه الممانعة وهذه المقاومة المعكوسة لكل فعل ينحو إلى التغيير الإيجابي، عندها سنقف عند الأخطار التي ارتكبناها في حق التاريخ وفي حق الذاكرة المشتركة، كما في حق أنفسنا وإن كنا نتوهم بعطائنا الذي لم يسهم في الكونية لحد الساعة.
أيها الفيلسوف المخلص مما نحن عليه الآن، لا تنس أننا في انتظارك لأغراض تنويرية، ونحن الأمة الوحيدة التي لم تستطع لحد الساعة أن تتخلص من جمودها وانحطاطها لسبب بسيط يكمن في محاربة وعزل كل محاولة في مراحلها الجنينية حفاظا على واقع تستفيد منه أقلية على حساب أغلبية ، إن باسم الدين أو القدر أو القوة، وما كل حظوة تأتي إلا بفضل العطاء والعمل، بدل استغلال أمية وجهل العامة لاستبدادها وأنت الداعي إلى بلورة فلسفة عملية بدل الركون في مكان قصي والتوهم بالتفوق تزييفا لواقع له رأي آخر في هذا الأمر. فيلسوفنا الوقور، إننا نعلم علم اليقين أنه بحلولك ستدعو إلى ضرورة الإصلاح الديني باعتباره مفتاح تقدمنا وتنورنا، معتمدا على قراءاتك المضادة لهذا الغلو المرتكن إلى تفسير واحد للقرآن مبني على ذهنية التحريم وروح التعصب، بدل قبول الاختلاف ومنطق الحوار، سَتُحْدِثُ رجة في القائمين على هذا الشأن مستحضرا ضرورة قراءة النص المقدس والسنة قراءة تبني ولا تطيع كل شيء طاعة عمياء، نازعا منطق القداسة من تاريخ نتوهم تفوقه معوضا إياه بواقعيته السليمة.
أي فيلسوفنا المأمول حلوله إن عاجلا أو آجلا، لن ننكر أنك ستقنعنا بأن كل فكر متنور هو فكر حداثي بالضرورة، فكر لا يعطي قيمة للفرد انطلاقا من انتمائه الديني أو العقدي أو العرقي أو النَّسَبي، وإنما بمدى مساهمته ومدى احترامه للقانون والامتثال لواجباته والتمتع بحقوقه، ستقول وإني لواثق من ذلك، إننا ما زلنا لم نصل بعد إلى تحقيق الإنسان، وهو ما سيجعلنا ننصت مطولا إلى تعريف الإنسان وكيفية تبلوره طوال تاريخ البشرية، كما ستؤكد بهدوئك الذي عهدناه بأننا لم نصل بعد إلى مفهوم المواطن ومفهوم الفرد الفاعل.. ستعلمنا كيف نقرأ بدل أن نجتر، كما ستذكرنا بأن الفكر الفلسفي الذي يعتمد على قال هذا الفيلسوف، وقال هذا المفكر إن هو إلا دوغمائية واجترار ليس إلا، ملقنا إيانا أبجديات الكتابة والقراءة التي ما زلنا نفتقر إليها ونحن الذين نتوهم بأن حماقاتنا إبداعا، ومؤلفاتنا إنجازات لا يشق لها غبار، وإلى حين حلولك تقبل منا كل فائق التقدير والاحترام.
*أكاديمي وباحث مغربي