«لا ضريبة على الكلام» .. مبدأ إعلام «أسطرة» القضايا والأشخاص
إنه لمن نافلة القول أن أقوى قوتين تؤثران في عالم اليوم هما: الإعلام والاستخبارات. وإذا كانت هاتان الذراعان متداخلتان عبر عديد من الفضاءات والوظائف، فإن المؤكد هو أن واحداً من أهم موضوعاتهما هو الجمهور، أي استهداف الرأي العام من أجل تشكليه وإدارته بالطرق التي تخدم مصالح القائمين عليهما. وهنا يكون الإنسان، فرداً وجماعات، هو الهدف النهائي. كما أن القوتين تشتركان كذلك في توظيف اللغة وسيلة وأداة لتحقيق أهدافهما. اللغة هي الإناء الذي يملأ بالمراد من الأفكار والحقائق والأكاذيب، من بين سواها من المطلوب بثه وإشاعته أو الترويج له. وإذا كان الجهاز الاستخباري يعمل أحياناً على صناعة وإنتاج وتسويق الإشاعات والإشاعات المضادة، فإن الإعلام يقوم بعمل مشابه عندما يصنع وينتج ومن ثم يسوّق أفراداً أو أفكاراً أو قضايا بحسب أهواء القائمين عليه. وبذلك تكون هذه جميعاً "مخلوقات إعلامية" mediacreatures، بمعنى أنها من اختلاق وتضخيم الإعلام، ليس إلاّ، شخوصاً كانت أم قضايا.
لقد لاحظ المخططون الإعلاميون البارزون منذ أمد طويل أهمية وسائل الإعلام في صناعة المعجزات وإيجاد الخرافات والأساطير وتمريرها. وقد تناغم هذا مع تطور وسائل البث الأثيري والعام الذي يصل إلى "كل الناس". لذا تنبه هؤلاء إلى أهمية الإعلام، ليس فقط في إدارة الرأي العام على النحو المطلوب، ولكن كذلك في تصنيع وتسويق الأفكار والأساطير والشواخص، حسب الطلب. وكان الألمان، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، هم رواد هذا الحقل، إذ تفردوا، ربما للمرة الأولى في التاريخ، بإيجاد الشواخص الأسطورية. وهكذا تمت عملية أسطرة شخصية القائد المنزّه الذي لا يخطئ ولا يسهو، أدولف هتلر، على سبيل تعبئة الجماهير على طريق "عبادة الأبطال" hero-worship، كما اصطلح توماس كارلايل على تعظيم البطولة الفردية قبل ذلك بعقود. ناهيك عن أساطير وخرافات أخرى تم توظيفها في الحرب على سبيل خدمة المعسكر الألماني على حساب معسكر الحلفاء، ومنها "الأسطورة الآرية"، أي أسطورة تفوق الجنس الآري على سواه من الأجناس خاصة الجنس السامي.
مذ ذاك تكررت عمليات صناعة الأبطال وتسويق البطولات على نحو مضطرد، خاصة مع ظهور عديد من الأنظمة الشمولية في الشرق والغرب على حد سواء. بيد أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تم توظيف الإعلام بطرائق فنية عدة على سبيل إنتاج "مخلوقات إعلامية" لا تمت للواقع بصلة. لقد صنع الإعلام نجوماً كثيرة عبر تاريخه العالمي في العصر الحديث. وهو لم يزل يفعل ذلك مسوقاً إياها على حساب الحقيقة ومن خلال استغفال الجمهور: فإضافة إلى القادة التاريخيين المؤلهين، ظهر لدينا المفكرون التاريخيون والفنانون الاستثنائيون ولاعبو كرة القدم المعجزة، من بين شواخص أخرى لم تكن لتعني كثيرا لولا ما نفخه الإعلام في صورهم من هواء حتى أضحوا بالونات لا تحتاج إلى سوى وخزة إبرة لتنفجر كالفقاعة على سطح ماء بارد.
وإذا كان الغربيون، قد حصلوا على القدح المعلى في صناعة وتسويق مخلوقات إعلامية لا قيمة تُذكر لها خارج عالم الإعلام، فإننا في العالم العربي غالباً ما نتتبع خطاهم بدقة متناهية، للأسف. لقد خلقت بعض وسائل الإعلام العربية عبر العقود الأخيرة أساطير وخرافات عدة، كان بعضها شواخص فردية، بينما كان بعضها الآخر قضايا ومشكلات مفتعلة. وكانت النتيجة هي صناعة رأي عام يعاني كثيرا من الاختلال والتشويه، لاحظ استحالة بعض الشخصيات المستبدة إلى "قيادات تاريخية" تستحق التقديس!
المعضلة تتلخص في أنه "لا ضريبة على الكلام"، كما يقال. وليست الأحداث الجارية على الساحة العربية بأول المحكات التي تعكس "المصلحية" الإعلامية؛ فقد بيّنت الأحداث التاريخية خاصة عبر سنوات الحرب العالمية الثانية (إبان الصراع الإعلامي الرهيب بين الرايخ الثالث ودول الحلفاء) أن التشبث بحيادية مطلقة للإعلام يندرج في حقل التشبث بالمستحيل أو بالخرافة. لكن أحداث العالم العربي الملتهبة الجارية اليوم تقدم لنا البينة الواضحة على أنه لا يوجد شيء اسمه إعلاما مطلق الحيادية حتى بالنسبة إلى وسائل الإعلام العائدة إلى القطاع الخاص أو إلى الأفراد الذين لا ينتمون إلى هيئات إدارية حكومية. وبعكسه، لماذا يختار الفرد أو الشركة الاستثمار في وسائل الإعلام، مفضلين هذا الاستثمار على حقول استثمارية أكثر إدراراً مادياً مباشراً. وهذه الظاهرة التي تعني أن الإعلام يشبه إلى حد كبير عملية كتابة التاريخ أو التورخة. فالإعلام يشترك مع التاريخ في أنه لا يمكن إلاّ وأن ينطوي على شيء من التفضيلات والتمنيات والمخاوف الكامنة لدى مالك الوسيلة الإعلامية ومديرها، زيادة على تأثيرات هؤلاء الذين يحاولون الفوز برضاهما واستحسانهما. وعليه، فإن أي جهاز إعلامي مهما حاول أن يقدم الأنباء بحيادية فلا بد أن يقع فريسة لأهواء الممول الذي "له رأي" بالأحداث، وهو الرأي الذي يتبلور في طرائق تقديم المادة الإعلامية وحجبها أو حجب أجزاء منها على سبيل تحقيق المرجو من آثار في مستهلكي هذه المادة. وإذا كانت بعض وسائل الإعلام تتباهى بأنها "مفضلة" على غيرها بسبب حياديتها، فإن هذا لا يعني وجود حيادية مطلقة قط، فالموضوع شديد النسبية.
وإذا كانت وسائل الإعلام مرآة لمواقف مديريها ومموليها، فإنها تقدم كذلك صوراً دقيقة للانتهازيين الذين يحاولون ركوب الموجة لتحقيق أهدافهم الأنانية الخاصة. ولدينا في العالم العربي عدد لا بأس به من هؤلاء المتحذلقين الذين يحاولون استثمار وسائل الإعلام عبر استثمار مصالحها لتمرير أنفسهم كمنقذين أو كوطنيين، أعلى من سواهم وطنية بدرجات. ومن هؤلاء الذين تستحسن بعض الفضائيات إظهارهم وتقديمهم، بسبب التقاء بعض المصالح المشتركة، أشخاص لا همّ لهم سوى الفوز بالشهرة ومن ثم السلطة.
ولا يبالغ المرء إذا ما استمكن شعور قوي بأن هناك وسائل إعلام شائعة في البلدان العربية من تلك التي وجدت في أحداث الشرق الأوسط الساخنة فرصة ذهبية لسكب الزيت على النار وتأجيج الحرائق بلا أدنى شعور بالمسؤولية. بل إن المرء ليشعر بأن هؤلاء ينتظرون الحروب الأهلية وانتشار الفوضى "بفارغ الصبر" عبر الحديث الملحاح عن التقسيمات الطائفية والعرقية بديلاً عن الدعوة إلى نشر الديمقراطية والفكر الليبرالي الذي يرتهن به التقدم والانتقال من غياهب التقليدية الظلامية إلى أنوار الحرية والتقدم، الأمر الذي يحيل الإعلام إلى "كائن" طفيلي (يعتاش على أحداث ومعاناة الغير) بدلاً عن إحالته إلى مرآة للحقيقة.
إن الأحداث في العالم العربي والشرق الأوسط عامة كثيرة وساخنة ولا يبدو أنها ستتوقف، لكنها تقدم لنا البينة على مصلحية وانتهازية عديد من وسائل الإعلام التي تنظر إلى هذه الأحداث كفرص عمل، فتحورها ثم تديرها على هذا الأساس وليس على أساس من الحياد المطلق الذي صار خرافة هي مدعاة للتندر بالنسبة إلى من يحيا في أتون الأحداث الحقيقية. لكن، مع هذا كله، يحاول رجال الإعلام الجادون التشبث بالحيادية أنموذجاً يستحق التمسك به، لذا كان هؤلاء أقرب إلى الجمهور لأنهم أقرب، نسبياً، إلى الحقيقة.
* كاتب وباحث عراقي